دعاني لبيته .. لحد باب بيته

دعاني لبيته .. لحد باب بيته
جيهان الغرباوي

مأزق كبير أن تكون مكاني. مطالبا كل أسبوع بكتابة ما يثير الابتسام ويشيع البهجة، ويخفف الآلام.. ومتوقعا منك مسح الدموع، وإضاءة الشموع ومقاومة الاكتئاب، مع التأكيد للسادة القراء الأحباب، أن الحياة حلوة بس نفهمها.. الحياة غنوة محلي أنغامها، والحب جميل للي عايش فيه.. والقمر من فرحنا هاينور أكتر.. ومصر اليوم في عيد.

وهي مهمة تبدو أحيانا مستحيلة، لسبب بسيط هو أن الصحفي مثله مثل باقي مخاليق ربنا.. إنسان ضعيف، قابل للكسر والحزن واليأس، وجائز جدا أن يصاب هو نفسه بصدمة أو أزمة أو خيبة أمل راكبة جمل، تقلب مزاجه وتنكد عليه عيشته، وتغذي مراكز الإحباط النشيطة في خلاياه، فتعطي إشارات قوية للمخيخ، بالدهولة والقندلة والإضراب عن العمل، وتكرار سماع أغنية “بلاش عتاب”!

ويحضرني في الأيام المباركة من العشر الأواخر في رمضان، ذكرى رحلة العمرة والتي قمت بها قبل اعوام في مثل هذا التوقيت، هربا من حالة انهيار كنت على وشكها، بسبب ظروف نفسية قاسية، أفقدتني ايامها أي رغبة في مواصلة أي شيء، خاصة العمل والكتابة.

(وبغض النظر عن كون ذلك من حسن حظ القراء)، إلا أنها كانت مشكلة عويصة بالنسبة لي، وكان عشمي في وجه الله كبيرا، وأدركت أنه لن يخرجني من هذه الحالة السوداوية العدمية، أفضل من القيام بهذه العمرة الرمضانية، فأسرعت أنجز إجراءاتها، وأسدد رسومها وأشتري العباءات الفضفاضة، وأجهز الطرح البيضاء، وأتقمص روحانيات الموقف والمكان، وأدندن مع نفسي “دعاني لبيته لحد باب بيته”..

وكان من الطبيعي والعادي، أن أسافر في اليوم المحدد للرحلة، مثلي مثل أي معتمر طبيعي.. عادي.. أخذ التأشيرة، وسدد المبلغ المطلوب لشركة السياحة، وحزم حقائبه، وسلم على أصدقائه وأقاربه..

لكنني وكثيرا ما يحدث ذلك، اكتشف في اللحظة الأخيرة أنني خارج دائرة الطبيعي والعادي وتحدث معي الصدفة، التي لا تقع إلا مرة كل 13 سنة، وبنسبة واحد في الألف!

– الباسبور ضاع.. معلهش.. مفيش نصيب” … هكذا قال لي مشرف الفوج، بكل هدوء وارتياح وامتثال لحكم القدر..

ثم ردا على دهشتي وفجعتي وسؤالي، أكمل بنفس الهدوء والرزانة يقول: مش عارفين … جوازات السفر دخلت السفارة السعودية مع بعض، كلها رجعت إلا “جوازك” فص ملح وداب!

– يا حول الله يا ربي.. أي حاجة فيها “جواز” بتعاكس معايا، حتى “جواز السفر”؟!

على أية حال، لم يعد للتعليق معنى، ولا للكلام فائدة..

سافر الفوج بالسلامة، وأنا جالسة في بيتي أمصمص شفتي، وأهز رأسي، وأردد الأمثال الشعبية “فرحة ما تمت”.. “قلت لبختي أنا رايحة أتفسح.. قال وراكي ما نيش مكسح”، وقليل البخت يلاقي العظم في الكرشة، “وقلت يا بخت ليه لبخت، قال هاتسكت، ولا أنزل حبتين تحت؟!”.

وقبل أن ينتهي رصيد الأمثلة والولولة جاءني تليفون، من مدير شركة السياحة المسئولة عن الرحلة، يخبرني بأن اتصالاته الواسعة، وعلاقاته الرهيبة، وجهوده الجبارة، نجحت أخيرا في إعادة “الباسبور” الضائع، ويمكنني السفر غدا باكر، حبذا لو تنازلت قبلها عن البلاغ الذي قدمته ضده في أمن الدولة، وقسم شرطة الأزبكية !

وهكذا سافرت متأخرة ثلاثة أيام، لكنني كنت سعيدة أشعر بلذة الكفاح والنجاح، و في مطار جدة، وقبل موعد الإفطار بنصف ساعة هبطت الطائرة بنا، أنا وخالي العزيز، الذي يقوم معي بدور “المحرم”.

الطبيعي والعادي أننا كنا سنتناول إفطاراً خفيفاً من التمر والعصائر والزبادي، على رصيف المطار، ثم نستقل أتوبيسا للمدينة المنورة، لكن صدفة أخرى غريبة كانت في انتظارنا:

بعثة التليفزيون الألماني، تحمل الميكروفونات والكاميرات وتدور في أروقة المطار، ويشاء العلي القدير أن يتوقف المخرج عندنا بالذات، ويخبرنا بأنه يصور فيلما تسجيليا عن شعائر المسلمين في عمرة رمضان، ويريدنا أن نتعاون معه، خاصة لو كنا نتحدث الإنجليزية!

المخرج كان ألمانيا مسلما من أصل عربي، لكنه لا يعرف عربي، أعجبه جدا أني طلعت صحفية، وخالي طلع رجل أعمال سبق وعمل سنوات طويلة في أمريكا، عنها وأمطرنا بالأسئلة عن ابن لادن؟ ورأينا في أحداث 11 سبتمبر؟ والأمريكان في السعودية؟ وسبب تمسكنا بأداء الشعائر الإسلامية؟ وحقيقة مفهومنا للدين وفكرة الوحدة العربية ؟

والحقيقة لا أعرف ماذا في إجاباتنا بالضبط جعل الرجل يتمسك بصحبتنا.. ليسجل بالصوت والصورة، ماذا نأكل، وما الذي نردد وكيف ننتقل، وأين نبيت، وما إذا كنا نتسوق أو نتصل بالتليفون، ونبحث عن دواء في الصيدليات..

الرحلة كلها تم تسجيلها في فيلم وثائقي، ووجدتني فجأة بطلة فيلم أجنبي، يذاع على قناة ألمانية شهيرة. ويمكن مشاهدته عبر الدش..

آرائي الحرة في أمريكا و 11 سبتمبر والسلام في المنطقة، وجدت متنفسا أخيرا عبر الفضائيات، مصحوبة بالترجمة الفورية!

والأهم أني ظهرت ملء الشاشة، بجلبابي الأنيق الذي اشتريته من الحسين، وليس بعيدا لو رشحوني “من أشيك 10 سيدات في ألمانيا”.. كل هذا لأننا تأخرنا في الوصول للعمرة ثلاثة أيام؟

تذكرت صديقتي العاقلة، ذات البال الطويل وقولها المأثور: “كل شيء مكتوب ومحسوب”، وكنت على كل حال، قد تفاءلت خيرا بالرحلة من بدايتها، فلم ينقصني الحماس، ولا تخلت عني الذاكرة في الحرم الشريف، حتى دعوت لكل من حملني أمانة الدعاء، بنص ما أملاني: ياااااارب.. سمير يتجوز، وشريف يتعين، وإسراء تنجح، ونشوى تكسب قضية الخلع، وجوزها يدفع نفقة العيال، وإيناس ربنا يشفيها، وإيمان ارزقها بعيل وعوض عليها، ومشروع رامي ينجح، وهالة عايزة تترقى وتكبر في شغلها سامحها يارب.. دي هابلة ومش عارفة مصلحتها عدلها بابن الحلال، اللي يعقلها ويستتها ويريح قلبها، وإبراهيم اكتبله حسن الخواتيم، ومايسة ارزقها من وسع وأغنيها عن الناس أجمعين.

وأنا يااارب.. سايقة عليك النبي حبيبك تلهمني كل أسبوع الفكرة والقدرة، على كتابة تبدد الهم وتكافح الملل، وبغض النظر عن حالتي النفسية أو مشكلاتي السيكوباتية، ساعدني دائماً أبدا على تفجير الضحك وتجديد الأمل، وإقناع الناس بأن الحياة حلوة، والحب جميل، ومصر اليوم في عيد.. أما الحاجات التانية “إللي أنت عارفها فصرفها كيف تشاء يا سميع وقدر لها ما تريد يا مجيب.. لم يعد يقلقني شيء وقد أيقنت أن الرزق “مكتوب ومحسوب”، وكل شيء نصيب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث