البطة في الشنطة

البطة في الشنطة

جيهان الغرباوي

حقيبة سفر صغيرة سوداء محشوة بالبط والسمن والجبنة القديمة، كانت أعز ما يملك “إبراهيم” في رحلته إلى دبي، وكانت سبب قلقه طوال الوقت، كان خائفا أن يندلق السمن ويفسد البط أو ينفتح برطمان الجبنة القديمة، ويخترق الأكياس ويبهدل الدنيا والشنطة كلها أمانة وزيارة حملها من قريته البعيدة مركز ميت غمر دقهلية.. إلى بلدياته وأصدقائه في دبي.. عسى أن “يتمر فيهم” ويساعدوه بإخلاص على أن يجد عقد عمل مناسب، ويستقر إلى جوارهم في الغربة يعمل ويرسل ما يقدره الله عليه، إلى زوجته والأولاد في البلد.

وحيث أن إبراهيم ذلك الشاب الريفي الفارغ ذا الجلباب الأبيض الزاهي طلع بلدياتي من نفس المحافظة وهو زميل المقعد المجاور لي على الطائرة التي حملتنا يومها من القاهرة في اتجاه دبي، كان لزاماً علي من باب الود والإنسانية أن أمضي الرحلة أطمئنه على وصول “شنطة البط” سالمة بإذن الله إلى مقرها ومثواها الأخير في بيت بلدياته وأصدقائه الذين ينتظرونه في تلك المدينة الجميلة الغنية التي تسعد كل من يعمل بها أو يقصدها بالزيارة.

هكذا قلت له بكل ثقة وارتياح رغم أني كنت مثله ولم يسبق لي مطلقاً زيارة هذه البلدة من قبل!

أما عن حقيبة سفري الزرقاء الأنيقة فقد كان بها “مصيبة سودا تورطت في حملها بسبب الشهامة الفلاحي، التي جعلتني بدون مناسبة أعزم بقلب وحرقة على بعض أصدقائنا المصريين في الغربة، عايزين ايه من مصر؟ والنبي لا أنتو قايلين.. والنبي ما تعملوش تكليف”، وللأسف صدقوني الأندال وطلبوا مني أكثر ما يفتقدونه في دبي بعيداً عن دفء الوطن الأم، عارفين طلبوا إيه من الوطن الأم؟

20 علبه معسل القص والسلوم! وبكل مرح وبراءة أضافوا لمعلوماتي أن المعسل المصري، هو فخر إنتاجنا الوطني ولا مثل له في بلاد الخليج العربي والشيشة هناك بدونه لا طعم لها.

ثم إن الموجود منه في السوق الحرة وكبرى محلات السوبر ماركت ثمنه يكاد يكون مضاعفاً، وأنواعه شحيحة!

ولن أروي لكم كيف اشتريت “الصنف” المطلوب وتأويت البضاعة، و”ستفت الأونطة جوه الشنطة” بإهالة أكبركم من الهدوم الحريمي فوق علب المزاج الملونة، برائحة التفاح أو نكهة الكانتلوب ماركة “نواعم” أو “مزاج البيه”.

ثم بقلب مخلص مؤمن بالله سابل ستره على عبادة المساكين، دعوت ربنا يعديها على خير، وربك مع المنكسرين جابر، يعني فاتت وكانت توبة من دي النوبة، أو على الأقل كان يجب أن تكون كذلك، لولا إن الإنسان جبار على نفسه، ونساي بطبعه فبعد ييجي.. خمس سنين من هذا الحادث الأليم ربنا رزقني بسفرية للولايات المتحدة الأمريكية وكالعادة سألت قبلها بالتليفون رجل الأعمال المهاجر المصري العظيم الذي سوف يتسقبلنا هناك لو كان يريد شيئاً من الوطن الأم أي خدمة؟ أي شيء يلزمك من العيلة في مصر؟ قول يا راجل ما تتكسفش؟

قال بأدب: والله نفسي في حاجة كده.. بس خايف يكون فيها إحراج والاحاجة، أصلها حاجة مصري قوي ومفيش منها في أمريكا أبداً.

عزمت عليه بقلب كي يتشجع ويطلب دون أن يخشى في الوطن الأم لومة لائم.

فقال ببساطة: “عايز مقورة محشي”.. أصلي بحب أعزم الأجانب على أكل مصري ومفيش عندنا مقاور للبتنجان والكوسة.

ثم أضاف ببراءة: أبقي خبيها في الهدوم كويس، عشان الأمن ممكن يعتبرها أسلحة بيضاء تستخدم في خطف الطائرات ويقبضوا عليكي!!.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث