مناحات عربية بعيدا عن فلسطين

مناحات عربية بعيدا عن فلسطين

يوسف ضمرة

يوما ما، قبل ست وستين سنة، عرف العرب النزوح عن ديارهم في العصر الحديث. تركوا خلفهم بيوتهم وأراضيهم وذكرياتهم وأحلامهم، بوصف الخروج رحلة مؤقتة سرعان ما تعود بعدها الأمور إلى نصابها. صارت لدينا مخيمات مكتظة لبشر لا يعيشون حياة البشر. وعلى رغم اتساع الجرح، نهض الفلسطيني وقاوم الخطأ التاريخي الذي أصابه. صار المخيم حاضنة اجتماعية مميزة؛ منها تخرج الثوار والمناضلون والمهنيون والعمال والحرفيون.

لم يكن الفلسطيني يعلم أنه بعد نصف قرن على تشريده، وعلى حياة البؤس التي عاشها ولا يزال الكثيرون يعيشونها، لم يكن يعلم أن عربا آخرين سوف تحل عليهم لعنة التشريد والنفي والاغتراب القسري. لم يفكر احد أن العراقيين والسوريين والليبيين والتونسيين سوف يكررون التراجيديا الفلسطينية، فيهيمون على وجوههم طلبا للأمان، وحفاظا على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم.

اللافت في الأمر هو أن أمريكا كانت طرفا مباشرا حينا وغير مباشر حينا آخر في التسبب بهذه التراجيديات كلها، منذ إقامة الكيان الصهيوني، ومرورا باحتلال العراق، وليس انتهاء بغزو ليبيا!

والأكثر مدعاة للغرابة اليوم، هو أن يكون بيننا مثقفون وسياسيون يمنحون أمريكا 99% من أوراق الحل لمشكلاتنا. أجل، تنازل السادات عن سيادة مصر ودورها مقابل إعادة سيناء بشروط وقيود. لكن السادات لم يكن معنيا بفلسطين والعراق وسوريا وليبيا وتونس.

كتاب وإعلاميون عرب طالبوا علانية بتدخل عسكري أمريكي في سوريا. طالبوا أمريكا بقصف دمشق على غرار ما فعل الناتو في ليبيا وقتل أكثر من 150 ألفا من الليبيين. وعلى غرار ما فعلت أمريكا وحلفاؤها في العراق وقتلوا مئات الآلاف وشردوا الملايين.

يصعب على المرء أحيانا أن يصدق أن بعض الدعوات جدية حقا. لكنها كذلك للأسف. لا أحد يعرف كيف يفكر هؤلاء وماذا يريدون! ليس الموضوع قطعا متعلقا باستبداد هنا أو هناك. ولو كان الأمر كذلك فليست الطريقة المثلى أن نقبّل البسطار الأمريكي لأجل ضرب أشقائنا العرب أينما كانوا، وأيا كانت الأسباب.

ثمة الكثير مما يشاع من مصطلحات هنا وهناك، كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية واللبرالية وما إلى ذلك. أصدقاؤنا وزملاؤنا يستخدمون هذه المصطلحات بوفرة. لكن فلسطين تغيب تدريجيا عن قاموسهم السياسي والثقافي والإعلامي. صار هم الكثيرين إثبات أن النظام السوري استخدم البراميل المتفجرة، أما ستخدام الكيان الصهيوني للفسفور الأبيض والقنابل العنقودية فقد طوى هؤلاء صفحته إلى الأبد. للأسف الشديد، فليس لدى فقراء المخيمات الفلسطينية وسائل إعلام متخمة ومراكز دراسات وأبحاث لها أرصدة فلكية في بنوك الغرب والعرب، ولذلك جرت مصادرة الأراضي الفلسطينية وإقامة المستوطنات واعتقال عشرات الآلاف من دون أن تنعقد”المناحات” التي نشاهدها اليوم.

ربما يشكل المنفيون العرب يوما ما طبقة جماهيرية واحدة ذات هم واحد.. طبقة مهمشة ومعدمة، ولها هوية وطنية واحدة. وهنا نصحح الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه فصائل المقاومة الفلسطينية، حين همّشت الهوية الطبقية واكتفت بالهوية الوطنية التي يمكن التلاعب فيها وتزويرها .. للأسف!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث