شرعية خارج النصوص

شرعية خارج النصوص

تاج الدين عبد الحق

عندما يتحول النظام إلى تنظيم، ويتحول التنظيم إلى نظام، نكون قد دخلنا مرحلة الحرب المزمنة، التي لا يعرف أحد متى تنتهي، ولا بأي اتجاه تسير. كما نكون قد بدأنا السير في طريق الدولة الفاشلة. فلا النظام قادر على الحفاظ على شرعيته لاستقوائه بمليشات من خارج النصوص، ولا التنظيم قادر على اكتساب شرعيه لا تعطيها له النصوص.

في العراق وصلنا إلى هذه المرحلة أو نكاد، حكومة المالكي تتحول إلى تنظيم يستقوي بالمليشيات المسلحة، ويستنجد بالشارع الطائفي لمواجهة شارع طائفي آخر، والتنظيمات المسلحة التي حققت إنجازات غير متوقعة تتحول تدريجيا إلى نظام في المناطق التي تسيطر عليها وتعين بقوة السلاح محافظين وإدارات، وتقصي أو تقتل محافظين آخرين وإدارات أخرى.

في وضع كهذا ليس من حق المالكي توجيه اتهامات، ولا الشكوى من تدخلات. فالاتهامات التي يطلقها إزاء من يسميهم بالإرهابيين والتكفريين، هي من جنس الاتهامات التي يطلقها خصومه على المليشات الطائفية التي يحشدها ويشحنها، لتكون بديلا عن جيش الدولة الذي فشل المالكي في جعله جيشا وطنيا جامعا، معبرا عن مكونات الشعب العراقي وحارسا أمينا على وحدة الوطن وسلامة أراضيه.

والتدخلات التي يشكو منها المالكي، كتبرير لفشله، أو استدرارا لتعاطف دولي، يفتح لها بنفسه الباب على مصراعيه، عندما يستنجد بالإيرانين، مع علمه أن التدخلات الإيرانية، في الشأن العراقي مثقلة بأرث طويل، من العلاقات العدائية التي تشكل بيئة خصبة لنوازع الانتقام، ومثقلة بحسابات طويلة من الاطماع السياسية، والأجندات الايدولوجية والطائفية.

ما يجري في العراق اليوم ليس مفاجئا، إلا بتسارع الوقائع والأحداث، وسهولة تحولها من خطر قادم، إلى واقع ماثل. فعلى مدى ولايتين من رئاسة الوزارة العراقية، كانت التحذيرات تتواتر على النهج الطائفي الذي تبنى به الدولة العراقية، ومؤسساتها وبالاخص الجيش العراقي، الذي يفترض فيه أنه حارس للدستور، وأمين على حماية العملية السياسية التي كان يؤمل منها، أن تخرج العراق من كبوته، وتخرج العراقيين من أزماتهم المعيشية وتعطيهم أملا بمستقبل افضل.

لكن ما حصل أن شهوة السلطة، ورغبة الاستئثار بها، والعناد بالتمسك بها، دفعت المالكي إلى تطبيق سياسة إقصائية خطيرة، أدت إلى تهميش، وعزل مكون إجتماعي رئيسي، وحرمان قطاعات واسعة، من ممارسة حقوقها السياسية، بحجة إنتمائها إلى نظام مضى على سقوطه أكثر من عشر سنوات، وعهد لوحقت رموزه وقياداته بالتصفية والاعتقال طوال هذه المدة بلا كلل ولا ملل.

كانت نوازع الانتقام الطائفي عند المالكي أقوى من دوافع الإنتماء الوطني. وكانت المرجعية الدينية أولويته السياسية، وبوصلته التي لا تعرف إلا إتجاها واحدا هو كيفية الإحتفاظ بالسلطة، والتمسك بها بأي ثمن وأي وسيلة.

في دولة القانون التي رفع المالكي شعارها طوال السنوات الثمان التي عاشها في المنطقة الخضراء ببغداد، كان الغائب الأكبر هو القانون فالاعتقالات بمئات الآلاف، والاعدامات بالجملة، أما التصفيات فحدث ولا حرج.

في دولة القانون كان الفساد بكافة صنوفه واشكاله، هو القاعدة. وتحت هذا العنوان العريض، انتهكت محرمات وضاعت حقوق.

في دولة القانون كان الأمن هو أمن الطائفة قبل أمن الوطن، وأمن الأشخاص قبل أمن المجتمع. في دولة من هذا النوع كيف يمكن الحديث عن الإرهاب والإرهابيين؟ كيف يمكن أن تنجح الجهود في مكافحتهم واجتثاث شأفتهم؟.

الإرهاب لايمكن أن ينحصر فيمن يطلق النار على الآخرين، أو يحمل السلاح في مواجهة السلطة، بل هو سلسلة طويلة من الممارسات، لا يشكل العمل المسلح إلا الصورة الظاهرة منها. الإرهاب هو الفساد الذي يستشري وينهب حقوق الناس وموارد الوطن . وهو انتهاك حقوق الإنسان بدافع الانتقام أو بسبب الهوية الطائفية أو المذهبية. الإرهاب هو سياسة الإقصاء والعزل والتهميش، التي توزع المجتمع إلى درجات تتحدد من خلالها المقامات وتتوزع في ضوئها المناصب والاعطيات.

عندما نخشى على العراق اليوم من التقسيم، علينا أن نتذكر أن هذا التقسيم كان واقعا من خلال الممارسات الحكومية التي وضعت الناس أمام خيارات إجتماعية ومذهبية لم تكن يوما من صنعهم بل من صنع من حاول فرض معادلة سياسية قائمة على منتصر ومهزوم، وهي المعادلة التي يدرك العالم بشكل متزايد أنها معادلة قاصرة، لا تقدم حلا لمشاكل العراق، التي لم تبدأ مع دخول داعش على الخط و لا يبدو أنها ستنتهي بتدخل إيران فيها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث