وضاعت الرحلة..!

وضاعت الرحلة..!

نظير مجلي

ليس أسوأ على المسافر من ان يضيّع الرحلة فيضطر للانتظار في المطار ساعات وساعات حتى يحين موعد الرحلة القادمة. كل مواعيدك ستتلخبط وقد تتعطل أشغالك وتتلبك أحوالك، ولماذا؟ لأن موظفا ما في شركة ما غاب عن واجبه المهني لبرهة.

قد يكون ذلك موظف برج المراقبة في مطار نيويورك، الذي قرر بروح الأمريكي “القادر عل كل شيء”، تأخير اقلاع الطائرة ساعة، غير آبه لتبعات قراره. فالأمريكيون يتلذذون بأن يكونوا أصحاب القرار المطلق في أي حدث، صغيرا كان أم كبيرا في عالمنا. وكلما زادت اخفاقاتهم زادت صرامتهم، وصارت القرارات تستُرًا على الفشل أكثر مما هي دفاع عن المصلحة أو التزام بالصدق. والحجة لتبرير الأخطاء تصبح جاهزة، الأمن. فبفضل اسامة بن لادن، أصبح الأمن هنا إلها معبودا. باسم الأمن تداس القيم والكرامات.

لكن قد يكون الموظف الأمريكي بريئا، وتكون مشكلتي تكمن في الموظفة العربية التي تعمل في مكتب السفر الذي حجزت فيه تذكرتي. فقد خططت الصبية لأن تكون العودة ال البلاد عبر مطار فرانكفورت في المانيا. واختارت طائرة تحط في المطار قبل ساعة فقط من موعد الطائرة الثانية. فعندما تاخرت الطائرة الأمريكية ساعة، وصلت الى المطار الالماني في نفس الوقت الذي أغلق فيه الأمن الاسرائيلي باب الاستقبال لآخر المسافرين. فهنا أيضا الأمن هو سيد الموقف وأبو الحجج والذرائع. وإذا كان الأمريكين في الأمن صارمين فإن الاسرائيليين في الأمن مجانين. ومع ان طائرتهم ما زالت جاثمة تتأهب للسفر، فقد رفض رجال أمنهم السماح لأحد بالدخول. وإذا كان الأمريكي يتلذذ في أن يكون صاحب قرار، فإن الاسرائيلي يتلذذ في أن يلخبط لك كل القرارات.

وأما الألمان، الذين اشترينا منهم التذكرة وما كان عليهم ان يتركونا أسرى للأمريكيين وللاسرائيليين، فاكتفوا بأن ينصحونا بالانتظار تسع ساعات. ورفضوا ان يتحملوا أية مسؤولية عن التأخير، وتركوا لنا الباب مفتوحا لشتم شركائهم الاسرائيليين والأمريكيين.

لكن المشكلة الكبر هي عندما تصل الى رجل الأمن الاسرائيلي بعد الانتظار تسع ساعات. فأنت تكون في فوران دماغ هادر من الملل ومن القلق عل أعمالك، التي تلخبطت بسبب هذا التأخير، وهو يتحدث معك بأعصاب باردة وينصحك بأن تتعاون معه وترد عل أسئلته بهدوء ورضوخ، إن كنت معنيا بأن لا تنتظر تسعا أو تسعين ساعة أخرى. فيطلب أن تخبره بالقصة من أولها، من سيدنا آدم وسيدتنا حواء لكي يفهم. متىى سافرت لامريكا؟ لماذا؟ عل حساب من؟ أين أمضيت الأسبوع؟ هل لديك نص الدعوة؟ هل توجد معك وثيقة توضح ما هي هذه الجامعة؟ ما الهدف من مؤتمر “الشراكة العربية اليهودية في اسرائيل” ولماذا تسافرون حتى أمريكا للتباحث فيه؟

وعندما تقول له – بدافع من غلّك – إن “الأخ الأكبر لا يأتي إلى الأخ الأصغر”، يرد عليك بانه لا يمزح. وبأنه يريد جوابا مقنعا. وتصبح لهجته عدائية اكثر.

لكن الأنكى من ذلك انه يريد ان يعرف أين أمضيت تسع ساعات داخل المطار. سألته إن كان يقصد السؤال بجد. فأجاب” بكل الجد. حسنا: عندما علمت بأن الرحلة راحت علي، ضاعت، توجهت الى المرحاض. ثم درت أتفرج على حوانيت ال- “ديوتي فري” وتوجهت مرة أخرى الى المرحاض. ثم عدت الى منطقة المطاعم وأشعلت سيجارة في المكان المخصص لذلك، و..إلى المرحاض. وهنا قطع أقوالي يسأل: “أي مرحاض؟ ذلك الذي يقابل مكان تجمع مسافري شركة الطيران القطرية؟”. فقلت إنني لم ألاحظ ذلك. فسال: وهل دخنت في المكان المقابل لمنطقة تجمع المسافرين الى مصر؟ فأجبته بحماس بالغ: نعم. وتوجهت بعدها الى المرحاض في المنطقة نفسها. فهل تجدون اختلافا بين تدخين السيجارة أمام شركة المانية أو أمام شركة مصرية؟ هل يوجد فرق بين المرحاض هناك وبين المرحاض المقابل لموقع المسافرين الى دولة كوستاريكا مثلا؟

فأجاب: لا.. إنها مسألة أمن فحسب. فألا تعرف ماذا يدور في البلاد؟

فتذكرت عندها بعض بيوت قصيدة الكاتب المرحوم، علي عاشور، وأعدت صياغتها من جديد: باسم الأمن أكنا أمن وشربنا أمن ونمنا وقمنا على أمن الأمن، حتى غاب الأمن وصار وصرنا أعد أعداء الأمن.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث