مواقف حسب الطلب

مواقف حسب الطلب
المصدر: تاج الدين عبد الحق

تبدل الولايات المتحدة خطابها السياسي إزاء المنطقة، حسب الطلب، فتتوعد وتهدد هنا، وتطالب بالحكمة وضبط النفس هناك. تعطي لنفسها، عندما يترتب عليها التزام أدبي، أو مسؤولية سياسية، مساحة من الوقت للدراسة وتقييم الموقف، فيما تتحدث عندما تريد ممارسة ضغط، أو خدمة مصلحة، عن نفاذ الوقت، ونفاذ الصبر. تسد الباب أمام خيارات الآخرين، وتحشرهم في زاوية ضيقة لايستطيعون مغادرتها، فيما تترك باب خياراتها هو الباب الوحيد المفتوح الذي لا يعلم أحد ماذا يقف وراءه.

في الوضع المتفجر الآن في العراق، والذي تتحمل واشنطن مسؤوليته الرئيسية، تتنصل الاداراة الامريكية من التزاماتها، وتتظاهر بقلة الحيلة، وضعف القدرة، أمام أطراف عراقية هم في معظمهم من صنعها وتصميمها، لتعطي، بذلك، لهذه الاطراف رخصة سياسية وعسكرية للتمادي في الصراع والتشدد في المواقف.

ما تقوله واشنطن اليوم عن ضرورة الاتفاق على رؤية وتوافق سياسي، لإخراج العراق مما هو فيه، وصفة معروفة منذ الغزو الامريكي للعراق. لكن أمريكا تجاهلت، أو تعامت عن ذلك، يوم كانت قادرة على فرض ذلك التوافق على كل الاطراف الفاعلة في ذلك الوقت، ضمن أسس عادلة، تضمن حقوق كافة مكونات الشعب العراقي وكافة قواه السياسية.

تركت واشنطن العراق بعد أن وضعت، أو حمت، معادلة سياسية مختلة قائمة على وجود فريق منتصر، يملك القرار السياسي والأمني، ويتمتع بموارد العراق وثرواته، وفريق مهزوم يتعرض للعزل السياسي والقهر الأمني والحاجة المادية.

خرجت الادارة الامريكية من العراق، بعد أن نثرت بذور الحرب الأهلية، من خلال نصوص دستورية مزقت العراق، وجعلت الولاء للطائفة أولى من الولاء للوطن، وجعلت من القوانين وسائل للانتقام، وتصفية الحسابات السياسية والمذهبية، وقمع الحريات، لا طريقا لإحقاق الحقوق، وحماية مصالح الجماعات والافراد.

الحرب الأهلية التي يعيش العراق نذرها اليوم صناعة امريكية بامتياز، ولا يجوز أن يقال إن الجيش الامريكي خرج من هناك، ولم يعد وصيا على العراقيين، وإنهم هم من يتحمل المسؤولية، كمبرر يعفي الادارة في واشنطن عما يحدث أو مما يمكن أن يحدث، فالأزمة ليست وليدة اليوم بل هي استمرار لأزمة الأمس وصورة أخرى من صورها، والحرب الإقليمية التي تحذر منها واشنطن، هي محاولة لتعويم الازمة وليس بحثا عن حل لها.

ما تقوله الإدارة الامريكية عن داعش والقوى المتطرفة، التي عنونت بها التطورات الميدانية الأخيرة، تلخيص مبتسر لما يجري في العراق، فعلى مدى شهور كانت مناطق كاملة تعيش حالة من الاحتقان الامني والعسكري، وكانت المواجهات بين المكونات الأساسية للشعب العراقي تتسع، وكان الشحن المذهبي والطائفي يزداد.

وبدلا من أن تنصرف الحكومة العراقية بقيادة نوري المالكي لمعالجة تلك الأوضاع والبحث عن اسس للتوافق السياسي، هربت إلى الامام، وأعطت لنفسها دورا إقليميا لم تكن مهيأة له، او قادرة عليه . كانت أولويتها، وهي تستجيب لطلب التدخل في سوريا، هو السلطة، قبل أي شيء آخر، و أصبح التجديد لولاية ثالثة في رئاسة الحكومة، هو البوصلة التي توجه حكومة المالكي حتى لو كان في ذلك إرتهان لقوى خارجية معروفة بأطماعها في العراق، ومعروفة برغبتها في تمزيقه وإبقائه ضعيفا، وبؤرة قلق تقض بها مضاجع المنطقة.

الحل والحسم العسكري لم يعد ممكنا في العراق الآن، بعد أن توضحت ابعاد الازمة، وتأكد عمقها السياسي والاجتماعي واتسع مداها الجغرافي. ولا يكفي تشخيص الحاجة إلى المعالجة السياسية للقول بإن الحل أصبح في متناول اليد، فالاطراف الداخلية بالرغم من أنها تقف في الخندق الأمامي للازمة، إلا أن تأثير الخارج يظل عاملا مرجحا في مسار الجهود السياسية، تماما كما هو الحال في مسار الأزمات الإقليمية الأخرى في المنطقة، وعندما تشترط الإدارة الامريكية التوافق السياسي قبل الانخراط في اي عمل في العراق، معناه وضع العربة أمام الحصان، ومحاولة من واشنطن للتهرب من مسؤوليتها الادبية والسياسية عن وضع هو من صنعها وترتيبها. فواشنطن تعلم أن التوافق بين الاطراف العراقية ليس ممكنا في المدى المنظور، وبالتالي فإن دعمها لأي من أطراف الازمة هو دعم مؤجل أو محدود.

العراق على موعد مع أزمة قد تطول وصراع قد يستمر سنوات لا بين نظام ومسلحين، بل بين نظام يتحول باستنجاده بدعم المواطنين إلى تنظيم، وبين مسلحين تحولوا بفضل سيطرتهم الميدانية على بعض المناطق إلى نظام .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث