من أشعل النيران في الشرق الأوسط؟

من أشعل النيران في الشرق الأوسط؟

إميل أمين

لعل الباحث المحقق والمدقق في شأن الشرق الأوسط يستطيع أن يرصد كيف كان وزير خارجية أمريكا الألماني الجذور “هنري كيسنجر”، مفتاح التغيرات الجذرية التي جرت بها المقادير في المنطقة، بدءا من رحلات أسوان المكوكية، وصولا إلى اختصاصه من قبل الرئيس المصري الراحل أنور السادات بلقب “صديقي كيسنجر”.

إرث كيسنجر الناجح شرق أوسطيا يكاد اليوم يضيع من جراء توجهات سياسات أوباما، والمثير للخوف أن الأمر لا يرتب خسائر أدبية أو مادية لأمريكا ومصالحها في المنطقة وحسب، بل يشعل المنطقة، ويتركها عرضة لأقدار مأساوية، ونهبا لصراعات دموية في الحال والاستقبال.

خذ اليك على سبيل المقاربة وضع مصر بين توجهات كيسنجر ومآلات أحوالها في العهد الأوبامي غير السعيد.

نشأت العلاقات بين واشنطن والقاهرة في صورتها التصالحية والتسامحية من خلال كيسنجر الذي أطلق مبادرة دبلوماسية بين مصر وإسرائيل أسفرت عن توقيع اتفاق سلام تاريخي في عام 1979، وقد أصبحت واشنطن شريكا لا غني عنه لكل من إسرائيل ومصر.

وقبل أقل من عامين على رحيل باراك أوباما تتدهور العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، وتصل حد غير مسبوق طوال العقود الثلاثة الماضية، ولا نظير له إلا في الأجواء التي سادت البلاد إثر هزيمة العام 1967، شعبويا ونخبويا، … أين أخطا أوباما في مصر وفي غيرها من دول الشرق الأوسط، لاسيما تلك التي عرفت ظاهرة “الربيع العربي”، المختلف على هويتها ومدى وطنيتها وملائمتها لصالح دول المنطقة وشعوبها؟

مؤخرا وصف كيسنجر الداء الأوبامي عندما أعتبر:”أن مشكلة إدارته على مستوى الخارجية أنها ماهرة في التعامل مع الجوانب الفنية، لكنها عاجزة عن وضع استراتيجية مستقبلية ذات أهداف محددة”، ومضيفا ..”لا أظن أنه يوجد من يضع ثقته بشكل كبير في سياسات أوباما الخارجية أو يدرك أهدافها بوضوح”.

ذات مرة في تسعينات القرن المنصرم قال الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون” أن الولايات المتحدة الأمريكية هي البلد الذي لا يمكن للعالم أن يستغني عنه، لقدرتها على حلحلة الإشكاليات العالقة وإنهاء الأزمات وتقديم يد العون بطريقة لا يمكن لبلد آخر أن يفعله”… هل يستقيم هذا الوصف على أمريكا اليوم؟

بالقطع لا، إذ تبدو في أضعف حالاتها خارجا، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تحولت فيها سياساتها من خطط ترسم وغايات تدرك واستراتيجيات تسخر، إلى خطابات بلاغية وفورات عاطفية لحظية، كما حدث ويحدث في مصر، أو امتناع عن لعب أي دور لإنهاء المجازة كما في سوريا.

يتساءل المرء بشكل عابر، هل كان هذا الفشل وراء السعي الأمريكي الحثيث للتوصل إلى إرهاصات اتفاقية مع إيران، لتحسين صورة أوباما داخليا وقبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وحتى لا يصاب الديمقراطيون في مقتل جراء الحصاد الفاشل لسياسات أوباما داخليا وخارجيا، حتى وأن كان ثمن هذه الاتفاقية تنازلات أمريكية ومكاسب إيرانية؟

اتفاق جنيف قضية مشهد من مشاهد ارتباك الدور الأمريكي الذي شبهه رئيس وزراء روسيا “ديمتري ميدفيدف” مؤخرا بأنه يشبه دخول “ثور في سوق للخزف الصيني” وعنده أن أمريكا اليوم غالبا ما تدفع دولا بأكملها لنقطة اللاعودة التي يصعب للغاية بعدها إقناع الأطراف المتصارعة بمحاولة التفاوض.. أنهم يضغطون ويحطمون كل شيء، ثم لا يعرفون ماذا يفعلون بعد ذلك…

هل أشعل الأمريكيون الشرق الأوسط مؤخرا وهم عازمون على الرحيل، وليكتب الشرق أوسطيين ما شاء لهم من كتابات المراثي والبكائيات على الإطلال؟

أوباما وضع العرب اليوم بين أمرين أحلاهما مر، القبول بحكم الجماعات الظلامية، ذات الرؤى الرجعية، أو التسليم بالمقدرات إلى قوي شمولية، وعلى غير المصدق لما نقول به أن ينظر إلى العراق وسوريا والوباء الشيطاني الفتاك المدعو داعش الذي لن يخرج عن عباءة الساحر الأمريكي الذي لا يتعلم أن السحر عادة ما ينقلب عليه .. إن آفة الحارة الأمريكية هي النسيان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث