إرتياد الفضاء وإرتياد النساء

لقد بلغ العبث، حد إطلاق فتاوى جعلت من الدين اضحوكة، ومصدرللسخرية والتندر، وتسابق البعض في إطلاق الفتاوى الغريبة، التي تلفت الانتباة وتثير الفضول، طمعا في شهرة تفتح لهم منابر الإعلام قبل أن يصلوا خزائنها.

إرتياد الفضاء وإرتياد النساء

تاج الدين عبد الحق

زمان، قبل القنوات الفضائية، والانترنت،  والبث المباشر، أيام كان الحاكم هو من يمسك الميكروفون،  أو من يصل إليه أولا، كانت   وظيفة  الرقيب وظيفة أساسية في كل وسائل الاعلام، فهو الذي يجيز،  وهو الذي يسمح، ويمنع ، بتوقيعه الأخضر نطبع،  وبإشارته الحمراء  نعدل،  أو نختصر،  أوحتى نشطب.

 اليوم تبدل الحال، و أصبح ( كل مين إيده له) كما يقولون، لا رقيب ولا حسيب، تكتب، وتنشر وتمثل وتغني،  كيفما تريد،  وبالشكل الذي تريد.  لم تعد الجودة،  في جزالة التعبير، ودقة المعلومات، وجمال الصو رة،   فكله اليوم عند بني يعرب صابون. واختلط حابل الجاهل،  بنابل العالم، والرسالة، بالتجارة. لم يعد من يكتب أسير منبر إعلامي بعد أن أصبح قادرا على إطلاق منبره الخاص،  وبأقل التكاليف، ودخلنا حالة من الفوضى،  جعلت الجاهل داعية، والأمي شاعرا،  وجعلت من النهيق غناء، والسماجة تمثيلا.

وكنا إلى حين  نراهن على  أن العملة الجيدة ستطرد العملة الردئية، وأن الزبد لا بد أن يذهب جفاء،  وأن ما ينفع الناس سيمكث في الارض.   لكن الأمر طال وإستطال، وأصبح بعض ما يحدث،  يتطلب وقفه سريعة، ومعالجة فورية، بعد أن استفحل  استغلال الاعلام، وشاع  الترويج لثقافة مريضة،  تتسبب في نشر وباء الجهل والتخلف، أوتحض على الكراهية والعنف.

 لقد كنا ونحن نراقب ما يحدث، حيرى بين التضييق على وسائل الاعلام لمنعها من تداول هذا الغثاء،  وبين المسؤولية الأخلاقية والمهنية التي تتطلب وقفة مراجعة، إلى أن حسم الأمر إنفجار   قضية برنامج المراقبة مؤخرا، وهو البرنامج الذي أتاح للحكومة الأمريكية فرصة التنصت على الهواتف والانترنت داخل الولايات المتحدة وخارجها، فعلمنا  أن للحرية ضوابطا، وإن إنتهاك الخصوصية التي شكلت ابرز سمات المجتمع الغربي تبدو مبررة،  ومقبولة، إذا كان هدفها الحفاظ على الصالح العام،  وتحقيق أمن الأفراد، وحماية  حياتهم.

  طبعا، نحن نعلم أن مثل هذه المراقبة موجودة في عالمنا العربي وبأشكال وطرق شتى، وهي ليست الرقابة التي نطلبها،  فما نطلبه هو رقابة أولئك الذين استباحوا علنا، جهارا نهارا،  حياتنا وفصلوها على مقاسهم،  ولخدمة أجنداتهم السياسية والحزبية.  يكفي الواحد منهم أن يطلق لحية تثير التقزز،  والرعب،  وأن يحفظ مجموعة من آيات القرآن الكريم،  وأن يردد خطبا ملئية بالقصص الملفقة والاحاديث الموضوعة التي ساد أمثلة  منها في عصور الانحطاط،  لينصب نفسه مفتيا في كل شيء، إبتداء من جواز إرتياد الفضاء  إلى طرق إرتياد النساء.

لقد بلغ العبث ببعضهم، حد إطلاق أحكام  جعلت من الدين اضحوكة،  ومصدراً للسخرية والتندر، وعنصرا من عناصر الخلاف والتفتيت. وتسابقوا في إطلاق الفتاوى الغريبة، التي تلفت الانتباة وتثير الفضول، طمعا في شهرة تفتح لهم منابر الاعلام قبل أن يصلوا خزائنها.

لن نعدد أمثلة على تلك الفتاوى، إذ يكفي أن تفتح موقعا الكترونيا أو قناة فضائية من القنوات  الدينية، التي تناسلت بلا ضابط ولا قيد  لتجد العجب لا في محتوى هذه الفتاوى ونوعيتها،  بل في كيفية السماح بتداولها،  والاحتفاء بها بإعتبارها جزءا من صحيح الدين، لا تفسيرا تافها، من جاهل فرضته حالة العبث التي نعيشها ونتخبط فيها. 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث