الانتخابات السورية.. وقائع ودلالات

الانتخابات السورية.. وقائع ودلالات

يوسف ضمرة

نعرف مثل الآخرين، أن نتيجة الانتخابات السورية محسومة، كما كانت الحال في مصر. ما يعني أن أهمية الانتخابات السورية ليست في نتيجتها، مقدار ما هي في القدرة على إجرائها، وبالشكل الذي ظهرت عليه.

فقد اقبل السوريون على الانتخابات في الخارج، ومن دون أن نلقي بالا للتشكيك في الترغيب والترهيب المزعومين. كما كان الإقبال في الداخل ـ يا للمفارقة ـ أكثر من إقبال المصريين الذين يعيشون ظروفا أكثر أمنا وطمأنينة.

وبصرف النظر عن الأرقام الحقيقية والوهمية والتشكيك والمبالغة، فقد أدلى السوريون بأصواتهم واختاروا الوقوف ضد الفوضى وتخريب البلد. ولعل هذه الانتخابات تسجل مفارقة غريبة أخرى، وهي أن الشعب ـ بغض الطرف عن الأرقام مرة أخرى ـ هو من يتقدم الصفوف للوقوف في وجه معارضة دموية. ما يعني أن أي معارضة مستقبلية في سوريا سوف تحتاج وقتا طويلا للتبلور والخروج من دائرة التشكيك.

أما الأمر الآخر الذي كشفته الانتخابات، فهو الوضع الميداني والعسكري. فقد هددت الجماعات المسلحة المواطنين بالويل والثبور وعظائم الأمور، فيما لو فكروا في الذهاب إلى صناديق الاقتراع. وحين أزفت ساعة الجد، زحف المواطنون وتجمعوا واصطفوا في طوابير طويلة، ولم تتمكن الجماعات المسلحة من تعكير صفو الانتخابات إلا ببعض القذائف التي كانت معدومة التأثير، الأمر الذي جعل السوريين يواصلون يومهم الانتخابي الطويل من دون أي شعور بالخوف أو الترقب الحذر.

هل حدث هذا كله بضغط من النظام السوري؟

إذا كان هذا النظام يمتلك حتى الآن هذا النفوذ كله على المواطنين في الداخل والخارج، فهو بلا شك نظام يتمتع بقوة خارقة لا تتمتع بها أنظمة كثيرة في الإقليم كله. ولا ننسى أنه النظام الذي اخترع داعش والنصرة وألوية إسلاموية أخرى لتشويه الثورة ـ كما تقول المعارضة ـ . ولا ننسى أنه طوّع روسيا والصين وإيران وحزب الله وكتائب أبي الفضل العباس والمالكي!!

لا شك أبدا أن هنالك في سوريا من يقف ضد النظام السوري. وهو أمر طبيعي في العالم كله، حيث لا يوجد نظام يحوز تأييد مكونات المجتمع كله. ولكن علينا الاعتراف أيضا، أن لدى النظام السوري مؤيدين وداعمين شعبيا وجماهيريا. سيقول البعض إن الأقليات تشكل جوهر هذا الدعم. ولكن هذه الأقليات ـ فيما لو صح القول ـ هي حواضن اجتماعية متشكلة من مواطنين سوريين. وكما لا يصح التباكي المزعوم على تهميش طائفة ما، فإنه لا يصح استهداف طوائف وجماعات أخرى، والتشكيك بوطنيتها وانتمائها، انطلاقا من المسافة بينها وبين النظام.

لقد جرب السوريون ثلاث سنوات من القتل، وذاقوا مرارة الخوف والرعب وفقدان الأمل، وغرق الكثيرون منهم في اليأس والإحباط. ثلاث سنوات من الفوضى المقيتة وسفك الدماء، تكفي لكي يتوق الكائن البشري السوي إلى الاستقرار والأمن والحياة الطبيعية، حتى ولو لم تكن بالمواصفات المثالية، فلا مثالية تحكم العلاقة بين السلطة والشعب في أي مكان في العالم كله.

الانتخابات قالت شيئا جوهريا: لا بديل عن الحل السياسي للأزمة السورية، وكفى سفكا للدم من دون جدوى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث