مدن على الموضة !

مدن على الموضة !
المصدر: تاج الدين عبد الحق

مع استثناءات قليلة عددا، ومحدودة من حيث النوعية، تفقد مدن الخليج ما كان يشكل لها نمطا معماريا وهوية خاصة، وتفقد، مع الوقت، فرصة تشكيل ملامح مميزة تعطيها الخصوصية التي تعبر عن شخصية وطنية مميزة، وإرث ثقافي تتوارثه الأجيال.

فمنذ ما يقرب من أربعة عقود تتعرض مدن الخليج إلى عمليات هدم وبناء لا تتوقف، مرة بإغراء الموارد، التي تنامت بتسارع أكبر من تنامي الحاجة، ومرة بدافع التسابق والتنافس الذي لا يقف عند حد، ولا يضبطه أي إيقاع .

في الامارات، مثلا، التي أعيش فيها منذ أربعة عقود، لا أكاد أرى أثرا من المباني التي رأيتها عندما جئت إلى أبوظبي لأول مرة، اللهم إلا مقر الحكم، الذي يعرف بقصر الحصن، والذي كان المقر الرسمي لحاكم أبوظبي لعدة عقود .

وحده هذا المعلم الذي لم تطله يد الهدم، إذ كان يخضع للترميم من حين لآخر، ورغم أن هذا الترميم كاد يفقد القصر بعضا من ملامحه الأصلية، إلا أن تدارك بعض الغيارى نجح في الحفاظ على طابعه المعماري الخاص .

العاصمة الاماراتية تجددت أكثر من مرة ، وفي كل مرة كانت عمليات التجديد تأتي على كل المباني السابقة لتعلو مكانها مبان أكثر طولا وأضيق مساحة. كان تصميم المباني وتخطيط المدينة، أقل من أن يحتوي، ويستوعب رؤية التطوير المستقبلية، فكانت الشوارع والميادين يعاد تخطيطها ورصفها، مرة بعد أخرى في مدد زمنية قصيرة بعد أن يظهر أن هذه الشوارع لم تعد قادرة على مواجهة التطور الهائل في عدد السكان والتزايد المستمر في وتيرة العمران.

ما شهدته ابوظبي كانت له تجليات واضحة في أماكن اخرى، فدبي، العاصمة التجارية للامارات، شهدت هي الأخرى عمليات تجديد وتحديث. ومع أن حركة الهدم والتعميرهناك، كانت أقل فظاظة، وأبقت على أحياء ومبان عديدة داخل المدينة، إلا أن حركة التعمير الواسعة كانت من الكثافة والابهار، بحيث طغت على المعالم التراثية الباقية في المدينة، والتي أعيد ترميم القليل منها لتصبح ذاكرة حية للاجيال الجديدة، ومعالم سياحية للزائرين.

أبوظبي ودبي مثالان صارخان على ما طال المدن الخليجية من تغيير. لكن هذا التغيير كان واضحا، بدرجات متفاوتة، في كافة المدن الخليجية الرئيسية.

ربما تكون مسقط في سلطنة عمان والمنامة في البحرين استثناءات من القاعدة . فالتراث في سلطنة عمان كانت له أهمية خاصة ارتبطت بالدور الذي لعبته السلطنة في تاريخ المنطقة، والذي ترك ملامح باقية له في أكثر من مكان في السلطنة، وبالخصوص في العاصمة. وكان واضحا أن هناك جهدا رسميا في الحفاظ على تلك الاثار وصيانتها والاهتمام بها للدرجة التي خصصت لها وزارة خاصة، هي وزارة التراث الوطني، في سابقة لم تعهدها دول الخليج .

المنامة، أيضا، ولظروف إقتصادية لم تشهد العمارة فيها تلك الطفرات التي شهدتها مدن الخليج الأخرى، فظل النمو العمراني فيها محكوما، نسبيا، بالمعايير الطبيعية للتطور الاجتماعي والاقتصادي، حيث لم لم يكن هناك ترف التغيير الذي تحكم في مدن خليجية أخرى.

صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت نموا ملحوظا في الحركة العمرانية، خاصة على إمتداد الشواطيء البحرينية، إلا أن ما حدث هناك ظل أقل حدة وتأثيرا قياسا لما شهدته مدن خليجية أخرى.

الكويت نجت نسبيا من التغيير العشوائي، لكن ذلك لم يتم بفعل جهد إنساني منهجي، بل كان استجابة لظروف عدم الاستقرار السياسي التي أعاقت الكويت سنوات عديدة عن ركب الطفرات العمرانية التي شهدتها المنطقة.

اليوم وبعد مرور هذه العقود على استقلال دول الخليج، وانطلاق حركة العمران فيها، فإن المدن الخليجية، لا تزال بعيدة عن أن تأخذ شكلا ثابتا، أو أن تتطور تطورا مستداما، دون أن تحكمه الطفرات، أو تسيره الظروف، ذلك أن المجتمعات الخليجية، لا تتغير وفق آليات داخلية، ولا ضمن المعايير الطبيعية، فالهجرات الخارجية لا تزال هي العامل الأساسي في تطور هذه المجتمعات، والمتحكم في تقدير حجم ونوعية إحتياجاتها.

ويفاقم المشكلة أن تلك المجتمعات تفتقر إلى سياسات سكانية حقيقية، حيث السياسات الراهنة في معظم دول الخليج ناتجة عن عوامل الأسواق، لا مصالح الأوطان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث