ليس دفاعا عن فضائح القصر

ليس دفاعا عن فضائح القصر

غادة خليل

اصعب شيء هو أن يتلاشى كل ما رسم ملامح وجدانك بسرعة الصاروخ دون أن تملك “ريموت كنترول” لإيقاف الزمن.

جاء قرار تسليم الملك الاسباني خوان كارلوس مقاليد حكم البلاد إلى نجله الأمير فيليبي بمثابة الضغط على زر “اعادة التشغيل” لذاكرتي.

عدت إلى أيام الصغر حيث يذكرني أخي بأنني عندما كنت طفلة لم تبلغ الرابعة من العمر بعد، ولم تتفتح مداركها على اي مدينة كانت، كنت اهتف طوال الوقت: نفسي اروح “ازبانيا”- يعني اسبانيا طبعا-، تلك البلد التي لم أكن اعلم حتى أين تقع انذاك، وكأن نداءا خفيا هيمن على روحي وجعلني اهتف باسم بلد مجهول سوف يصبح يوما ما بمثابة بيتي الثاني.

وعندما أردت دخول الجامعة لعب القدر لعبته المعهودة، فبالرغم من أن مجموعي في الثانوية العامة وقتها كان ٩٦٪ – اي أنه كان يؤهلني للالتحاق بما يسمى “كليات القمة“ كالطب والإعلام وغيرها- الا أن التنسيق ذهب بي إلى كلية الآداب وإلى قسم اللغة الإسبانية بالتحديد.

وشاءت الظروف بعد ذلك أن اسافر إلى اسبانيا التي منذ أن وطأت قدماي ارضها للمرة الاولى تمنيت ألا تكون الاخيرة، بل أن رسائل السماء جعلتني ادرك أنها بالفعل لن تكون كذلك.

وبعد أن ايقنت ان الحلم اصبح حقيقة، تذكرت الكاتب “براين وايس” عندما طرح في كتابه الشهير “اجساد كثيرة وخالق واحد” مسألة ان عقل الانسان قد يتنبأ بأحداث سوف تقع له في المستقبل داخل بلاد لم يسافر اليها وقارات لم يسمع بها.

اسبانيا التي عرفتها هي ارض الأندلس العظيمة التي زرع فيها اجدادنا العرب بذرة الحضارة. هي المحارب العنيد الذي هزم امراض الفاشية والفقر والرجعية والدكتاتورية ومضى إلى الأمام “واثق الخطى يمشي ملكا”.

هي الملك خوان كارلوس الأنيق والوسيم الذي يتميز بحضور الملوك بالفعل. ورغم اسراب الجراد الاعلامية التي حطت على قصر “مونكلوا” بحثا عن فضيحة جنسية هنا او فساد مالي هناك – واحيانا كانت تجد ما يروي تعطشها للاثارة – الا انه لا يزال بالنسبة لي الملك العريق الذي سيبقى اسمه مرتبطا في عقلي الباطن بـ “ازبانيا”، التي لا علاقة لها بـ”اسبانيا” اليوم.

ايها الملك القائد، بالرغم من كل حدث من سلبيات في الفترات الأخيرة من حكمك، الا أن ذكراك ستبقى مليئة بالأحداث الجميلة في كتاب حياتي، وستظل صفحتك ناصعة في وجدان كل من عاش وتعايش تحت تاج مملكتك.

حاولت مرارا أن افهم لماذا تندلع المظاهرات في المدن الاسبانية مطالبة بانهاء الحكم الملكي، هل هي مجرد التغيير من اجل التغيير؟

هل فساد احد اعضاء الاسرة المالكة يبرر المطالبة برحيل الاسرة باكملها؟

سمعت وقرأت -مع الفارق- كيف امطر المصريون اخر ملوكهم ”فاروق الأول” باللعنات مهللين للجمهورية، وها هم اليوم بعد مرور ستين عاما يترحمون على الفخامة والعراقة والكياسة وغيرها من مفردات كانت عنوانا عريضا لمصر الملكية.

على كل حال اتمنى أن لا يأتي يوما يقول فيه الإسبان” ولا يوم من ايامك يا خوان كارلوس”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث