“داعش” و”النصرة” يصوِّتان للأسد

“داعش” و”النصرة” يصوِّتان للأسد
المصدر: تاج الدين عبد الحق

جادا، لا مازحا ، أراهن أن قيادات وعناصر تنظيمي داعش والنصرة، صوتت للرئيس بشار الأسد.

لا أعني أنهم ذهبوا لصناديق الاقتراع وأنهم أدلوا بأصواتهم، كما لا أقول ذلك ترديدا لما يقوله البعض من أن التنظيمين المتطرفين، هما صنيعة النظام السوري، وأنهما ينفذان أجندة مرسومة لهما وإنهما بالمحصلة أدوات له. لكني أعتقد أن وجود هذين التنظيمين وما شاكلهما في صفوف المعارضة السورية، وضعا الناخبين في الوطن وفي الشتات بين خيارين، نار النظام بكل ما فيه من ظلم وفساد، أو جهنم داعش والنصرة بكل ما فيه من قتل وعنف وإرهاب.

وجادا، لا مازحا أقول إن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ببعديه الإقليمي والعالمي، هما من وفرا المناخ الذي سهل للنظام السوري ترتيب مسرحية الانتخابات، وتأمين النصاب لها، بل وإعطائها شيئا من المصداقية التي كان البعض يراها مستحيلة، وشيئا من النكتة، فالمجتمع الدولي الذي صور في البداية، أن الازمة هي مسألة وقت وأن النظام ساقط لا محالة، سرعان ما غير قواعد اللعبة على الساحة السورية، وبدلا من أن يدعم قوى المعارضة الحقيقية، التي لها تواجد في الساحة، أو تلك التي تتمتع بثقل شعبي، بدأ يتحدث باستخفاف عن تسليح المعارضة وعن تزويدها بمعدات حربية لم يصل منها إلا النزر اليسير، متجاهلا أو جاهلا أن النظام السوري له تحالفاته الأقليمية والدولية التي لم تدخر وسعا في مده بكل أسباب الدعم السياسي والعسكري.

وقد فتح ذلك الجهل أو التجاهل الباب أمام المغامرين الذين تنادوا من الخارج قبل الداخل، لملء ما ظنوه فراغا في السلطة، وبدأوا باقتسام المغانم والمناصب، تاركين الساحة الداخلية نهبا لكل من هب ودب، يعبث فيها ويمعن في تعميق جراحها، وقاطعين الطريق أمام القوى الديمقراطية الحقيقية.

وحتى أولئك الذي خرجوا من سوريا فرارا بحياتهم، وطمعا في مساعدات المجتمع الدولي، وقعوا في مصيدة اللجوء التي ظنوا أنها ستكون مؤقتة، ليجدوا أنفسهم بعد طول إنتظار أنهم في معازل ومخيمات وظروف لا تتوفر فيها ابسط شروط الحياة الكريمة.

الذين صوتوا لبشار الأسد في الداخل، هم نتاج وضع المعارضة البائس، ولايكفي أو لايمكن وصفهم بالعملاء للنظام وأبناء للطائفة، لتفسير تصويتهم، فهؤلاء تعبير عن إدراك متأخر بأن المشروع السياسي لقوى المعارضة ليس ناضجا بما فيه الكفاية ليكون بديلا مناسبا للنظام، وفضلوا “الامساك بمجنونهم حتى لا يأتي الأجن منه” كما يقول الخليجيون.

والذين صوتوا للأسد في الشتات لم يكونوا كلهم أو حتى معظمهم، خاضعين لترهيب أو ترغيب النظام، فنسبة كبيرة من هؤلاء صوتوا رغبة في العودة لوطنهم ورغبة في التخلص من ذل اللجوء حتى لو كان في ذلك تهديدا لحياتهم، أو عودة لمربع الأزمة الأول.

التصويت للأسد بكثافة غير متوقعة في الداخل والخارج ، يجب أن يكون مثار تحليل وتحقيق. ولا ينفع أن يقال أن هناك تزييفا في الارقام أو أن هناك ترهيبا وترغيبا وراء ذلك الاقبال. فالواضح أن الانتخابات السورية مهما قيل عنها ومهما كانت الانتقادات الموجهة لها تعكس مزاجا سوريا ودوليا مختلفا عن المرحلة السابقة.

داخليا هناك حقيقة من يخشى ذهاب النظام الحالي، وهناك من يعتبر بقاءه ضمانه لعدم الوقوع في براثن داعش والنصرة واخواتهما من التنظيمات المتطرفة. وداخليا أيضا فإن النظام يحقق في حركته على الارض تقدما فيما تتراجع العناصر المسلحة ويزيد التناحر بينها للدرجة التي لم تعد فيه تهديدا حقيقيا لتقويض النظام وهز اركانه.

أما خارجيا فإن هناك حالة من الانكفاء الواضح عن الازمة السورية بعد أن أصبحت جزءا من المساومات الاقليمية والدولية. وساعد على ذلك أن هناك مخاوف، من عودة العناصر الاجنبية المتطرفة التي قاتلت في صفوف المعارضة، إلى بلدانها الأصلية وهو إحتمال كانت له شواهد عديدة أقضت مضاجع الدوائر الأمنية في أكثر من مكان.

الواضح اليوم أن لا أحد يتحدث عن الحسم العسكري الذي كان يعتقد أنه الخيار الوحيد الممكن في التعامل مع نظام الأسد. والواضح أيضا أن الرئيس السوري الذي لم يقدم تنازلات، وهو يتلقى ضربات سياسية وعسكرية من كل صوب، لن يكون مستعدا لتقديم مثل هذه التنازلات، الآن، خاصة وإن كل المؤشرات تؤكد أنه غير مضطر لا سياسيا ولا عسكريا لتقديمها .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث