تكنولوجيا الصمت

تكنولوجيا الصمت

حسام عبد القادر

عندما تم اختراع الريموت كنترول للتلفزيون كان اختراع عجيب وكنت أتعجب ما فائدة هذا الريموت، هل من الصعب علينا أن نقوم لنفتح ونغلق التلفزيون، الآن أفراد الأسرة يتخانقون حول من يمسك الريموت، حتى أن بعض الشركات تقدم حاليا اثنين ريموت مع التلفزيون ليظل الزوج والزوجة يتخانقان على القناة، هو يريد مشاهدة المباراة، وهي تريد المسلسل، وفي النهاية تجلس الأسرة كلها حول القنوات الفضائية صامتة تشاهد ما يعرض، دون أن يتحدثون مع بعضهم البعض، بل إن اليوتيوب أصبح الآن بديلا عن أجهزة التلفزيون، حيث يمكن من خلاله استعراض أي مسلسل أو فيلم أو أغنية أو حتى برنامج إخباري، دون الحاجة للفواصل الإعلانية بالقنوات الفضائية، ودون الخناقات على من يشاهد المسلسل ومن يشاهد المباراة، وهناك مواقع تعرض بث مباشر لكل القنوات.

وقد يحدث أثناء جلوس الزوجة في حجرة نومها أن يدق جرس تليفونها المحمول، فإذا بالمتحدث زوجها الذي يطلب منها أن تقدم له كوب شاي، علما بأنه يجلس في الحجرة المقابلة لحجرة النوم يشاهد التلفزيون ولم يستطع مغادرة مقعده ليقوم بإعداد الشاي لنفسه، أو الانتقال لغرفة النوم ليطلب من زوجته إعداد الشاي.

نفس الأمر يتكرر عندما ترسل الزوجة لزوجها طلبات البيت عبر الانبوكس في الفيس بوك، أو عن طريق الواتس آب، دون أن تهاتفه أو تحدثه، بل إن أي فرد في الأسرة عندما يريد فردا آخر يعطي له رنة على الموبايل أو رسالة على الأنبوكس، حتى يلبي النداء.

حتى أن هذا البوست انتشر كثيرا في الفترة الأخيرة “إن كنت تريد معرفة أين أبنائك.. فاوقف عمل الراوتر ستجد الجميع يخرج من غرفته”.

وفي المناسبات كنا نقوم بزيارة الأهل والأصدقاء، ثم اكتفينا بمكالمة تليفونية، وتدريجيا أصبحنا نكتفي برسالة على الموبايل وأحيانا رنة فقط.

لم يعد هناك حوار حقيقي بين الأسرة، فاللغة تحولت من الكلام إلى بعض الرموز أو الرنات، أو رسائل عبر الفيس، بينما المسافة الحقيقية بين الأشخاص لا تتعدى بضعة أمتار، والكل حاليا مشغول بالاطلاع على الجديد بالفيس، أو بممارسة لعبة وأحيانا نجد جميع أفراد الأسرة في نفس الغرفة، وكل منهم يمسك بتليفونه الأندرويد أو التابلت، أو اللاب توب، والكل مشغول في الشات والرسائل، وقد يرسلون لبعضهم البعض بعض الطرائف أو الرسائل الهامة دون أن يتبادلون حتى كلمة واحدة.

لقد قامت التكنولوجيا بتغيير عادات البشر، فكل شيء أصبح في متناول اليد، والعلاقات الإنسانية تندثر حاليا، مقابل العلاقات الافتراضية، وكنت أظن أن العلاقات الافتراضية هي التي تكون بين اثنين يبعدان عن بعض مسافات شاسعة ويتبادلان الرسائل عبر الإنترنت ولا يعرفان بعضهما البعض، إلا أن هذا المفهوم تطور لتصبح العلاقة الافتراضية بين أفراد الأسرة الواحدة أو بين أصدقاء، وأن المسافة لا علاقة لها بالعلاقة فقد تكون المسافة سنتيمترات وقد تكون أميال.

هي نقلة لا شك هائلة لعلاقاتنا ببعضنا البعض، يجب أن نعيد النظر إليها وأن نتأمل إلى أين نحن ذاهبون، وإلى أي طريق ستأخذنا التكنولوجيا؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث