الرفيق حمد..!

الرفيق حمد..!

نظير مجلي

ذات مرة، كان الأديب اميل حبيبي منغمسا في السياسة لدرجة التسبب في شلل مشروعه الأدبي. وقد انتقد نفسه على ذلك بشدة، قائلا إنه أضاع فرصة عمره. فهو، وإن كان ناجحا بامتياز في القيادة السياسية والعمل الصحفي، فإنه كان متألقا في الأدب.

وفي إحدى المعارك الانتخابية الاسرائيلية، عندما كان العمل الوطني لفلسطينيي 48 بمثابة مغامرة خطيرة تتسبب في فقدان مصدر الرزق وفي الحبس والتعذيب، قام بجولة في البلدات العربية. والتقى رفاقه في الحزب ليطلع على أدائهم وليشجعهم وليعطي التعليمات من أجل زيادة نجاعة نشاطهم. فوصل إلى قرية في الجليل تدعى كابول، التي تعتبر ضعيفة في العمل الوطني. وفرع الحزب يضم رفيقا واحدا فقط، كان مخلصا ولكنهه لم يعرف كيف يوسع الصفوف ويقال انه كان منفرا.

وقد صدم اميل حبيبي عندما رأى عشرات الشباب يلتفون حول الرفيق حمد، يفحصون قوائم الأسماء ويتراكضون لإحضار الناخبين، يدخلون ويخرجون بحماس شديد.

فما كان من حبيبي إلا أن يعبر عن إعجابه قائلا: “والله إنك رائع وكل الاحترام. لم نعرف انك ستستطيع تجنيد عدد كبير كهذا من النشطاء..”. فأجابه الرفيق حمد: “لا تخف يا رفيق. بعد الانتخابات سأطيرهم واحدا واحدا..”.

لقد ذهبت هذه الحادثة مثلا عندنا عمن لا يضيع الفرص فحسب بل يتباهى بأنه يضيع الفرص. وقد تذكرتها مع تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، التي جاءت لتضع حدا للانقسام الفلسطيني وتنطلق على طريق المصالحة. فما من شك في اننا كفلسطينيين نشعر بالخجل من الانقسام وما رافقه من ممارسات بشعة.

لم يكن متطرفا القول إن الانقسام ضرب في الصميم القضية الفلسطينية كقضية وطنية وأدى الى هبوطها الى قاع سلم الاهتمام الدولي والعربي وتسبب في الاحباط لدى الوطنيين الفلسطينيين اينما كانوا. وقد اهتزت الثقة بالقيادة لدرجة انك لا تجد اليوم فلسطينيا واعيا وواحدا يثق بأن الانقسام قد انتهى الى الأبد والجميع حذرون وكثيرون يشككون والكل يصلون من أجل نجاح هذه التجربة.

ولكن “الرفيق حمد”، موجود في كل موقع فلسطيني وليس فقط في كابول الجليلية. ومن شأنه أن “يطير” هذا الانجاز. ويفشل حكومة الوحدة وأهدافها الوطنية، وفي مقدمتها اجراء الانتخابات الديمقراطية الحرة للمجلس التشريعي والرئاسة حتى تعود التجربة الديمقراطية الفلسطينية الى سابق عهدها.

وما هو المطلوب لنجاحها؟

الصدق.

أجل الصدق. فالمصالحة لم تأت بدافع الايمان بالعمل المشترك والتعاون لانجاح التجربة الديمقراطية ولا حتى بسبب الشعور انها تعبير عن المصلحة الوطنية.

لقد جاءت نتاج رغبة جامحة لدى الشعب الفلسطيني ترافقت مع ضغوط جماهيرية ملموسة وليس “نتيجة لرغبة جامحة” لدى القيادة. وإذا كان الرئيس عباس يرى في المصالحة مصلحة لتعزيز مكانته في المفاوضات، حيث قال الاسرائيليون انه لا يمثل الشعب الفلسطيني برمته، فإن حماس كانت مرتاحة ولم تشعر بحاجة الى المصالحة طيلة سبع سنوات، بل عملت كل ما في وسعها لمنع المصالحة.

لقد تمتعت بالسلطة في قطاع غزة: الجاه والنفوذ والمداخيل السمينة. وحاربت بشراسة لتعزيز سلطتها. وبدلا من ان تستغل حقيقة أنها أول حكم رسمي للاسلام السياسي في العالم العربي، فتجعله نموذجا يحتذى لنظام حكم اسلامي ناجح، جعلته حكما دكتاتوريا قمعيا ومشوبا بممارسات تدخل في باب الغنى غير الشرعي، أي الفساد. باختصار: أضاعت الفرصة.

ولولا الأزمة التي نشأت في علاقاتها مع مصر، بعد ان كانت تورطت في أزمة علاقات مع ايران وحزب الله وسورية، لما سارعت حماس الى اتفاق المصالحة اليوم. والسؤال: هل تنجح في جعلها مصالحة حقيقية أم تعود إلى عهد اضاعة الفرص وطريق الرفيق حمد؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث