!في مسألة (النيش)

!في مسألة (النيش)

غادة عبد العال

النيش لمن لا يعرفه (لو متجوز أكيد تعرفه وبتبصله بحقد طول النهار لو لسه ع البر قلبي عندك هتعرفه قريب قوي يا عيني ربنا يقويك) هو نسخة مصغرة من متحف الأواني الزجاجية والخزفية القائم بميدان باب الخلق، أو دولاب الفضية و الأدوات المنزلية الموجود في قصر باكنجهام و الذي تستخدمه ملكة إنجلترا في حفلاتها الملكية و الدبلوماسية، فهذا الصندوق الخشبي الغبي الذي يكلف أي عروسين هو و محتوياته آلاف الجنيهات يحتوي في الغالب على النسخة غالية الثمن من أطقم الكاسات والأكواب التي يشتريها أي عروسين لغرض وحيد و هو أن «تتفشخر» عروس الربيع بها أمام زوارها في أول أسابيع الزواج، و بعد مرور هذا الأسبوع تنتقل كل تلك الأطقم إلى مستقرها الأخير خلف زجاج (النيش) و لا يتم التفكير مرة أخرى في استعمالها أو الاقتراب منها أو حتى لمسها إلا فقط حين يتطلب الأمر تنظيفها في الأعياد، و هو شيء آخر من تلك الأشياء غير المنطقية في حياتنا التي نقوم بها تطبيقا للقاعدة الشهيرة «هذا ما وجدنا عليه آباءنا».

في سفرياتي القصيرة لأوروبا وأمريكا والدول المتقدمة هالني الفرق بين تعاملهم مع الأزمة الاقتصادية العالمية الطارئة وتعاملنا مع الأزمة الاقتصادية التي نعيش في كنفها منذ آلاف السنين، كل فرد فيهم يشعر بالمشكلة و يتعامل معها بمنطق، أما نحن فنشعر بها لكننا أدمنا رفع شعار «أقرع ونزهي» ، في هولندا حضرت مهرجان لتبادل الملابس المستعملة، رواده بعيدين كل البعد عن الفقر و حوجته، لكن المنطق يقول أن الأوقات الصعبة تستدعي أفكارا مبتكرة من أجل التوفير، في النمسا دعيت للعشاء في بيت أستاذة جامعية، شقتها لا تزيد مساحتها بأي حال من الأحوال عن ٦٠ مترا، خصصت جزء منها ليصبح حديقة صغيرة مليئة بالزهور، و عندما حكيت لها عن منازلنا و (كراكيبها) وقانون الصالون المدهب والصيني والقايمة والنيش، إنهالت علي بأسئلتها في محاولة يائسة لفهم سبب إصرارنا على تحميل أنفسنا ما يزيد طاقاتها بهذا الشكل !

في أمريكا شاهدت 3 حفلات زفاف في متنزه عام، كل ما تكلفته هو ثمن إيجار فستان العروسة و بدلة العريس و باقة ورد صغيرة و شكرا .. و مع ذلك كانت وجوه الكل تفيض بالسعادة .

يخيل إلي أحيانا أننا شعوب مرفهه رغم كل ما نعيشه من أزمات إلا أننا مصرون على التعامل معها بأسلوب طفولي يثير الدهشة، نحمل أنفسنا أطنانا من الأعباء تحت شعار (الأصول) و (المتبع) و (المفروض)، و نعكر صفو حياتنا المشتركة من بدايتها و نثقل على أنفسنا و أنفس شركائنا بإصرارنا على عادات وتقاليد بالية وطريقة حياة أثبتت فشلها فقط لأننا نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، ونعيش مصرين على طقم الصيني وعلى النيش و على مليون شيء آخر يمكن الاستغناء عنه بسهولة إن طبقنا قواعد العقل و المنطق .. لكن يبدو أن العقل والمنطق حاليا أشياء موجودة أيضا داخل (النيش)، ليست للاستعمال وإنما فقط للمشاهدة تحت شعار ممنوع الاستعمال أو اللمس !.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث