غرام في صباح غائم

غرام في صباح غائم
المصدر: غادة خليل

عشقته منذ أن وطأت قدماي أرضها، كنت وقتها اظن أنني أحببت كل شيء فيها لأنه جديد بالنسبة لي، لكن كلما مرت الأيام كلما ازداد عشقي للمدينة التي احتضنتني وتعلمت فيها ومنها الكثير.

إنه سحر مدريد المزينة بالتماثيل والميادين والطرق التي تحمل في طواياها رسائل متتالية إلى من يجيد الإنصات إلى لغة الأسرار الهامسة والفن المتفرد. وما أكثر الصباحات الغائمة في مدريد والتي تتحول علاقتنا فيها إلى قصيدة غرامية خافتة النبرات.

ويعود أصل تسميتها إلى الكلمة العربية “ماء جليد” التي تم تحويرها على اللسان الاسباني لتصبح “مجريط” ومن ثم مدريد .

وهناك نظرية قريبة من ذلك تذهب إلى أن الأصل يعود إلى كلمة “ماء لديد” أي لذيذ، وكلا النظريتين تنطلقان من غرام العرب قديما بلذة مياه الشرب التي تشتهر بها هذه المدينة على مستوى العالم ، ومعهم كل الحق!

المدينة بأكملها تبدو قصرا أنيقا تم تشييده فوق ربوة عالية، اختارها أجدادنا من العرب وشيدوا في قلبها بوابة “القلعة” الشامخة التي مازالت واجهتها منحوتة على الطراز الأموي بإبداع منقطع النظير فوق أعمدة ضخمة تحيطها الأشجار من كل جانب، مما أكسبها سحرا خاصا.

وازداد عشقي لهذه المدينة حين رأت عيناي سحر اجدادي الفراعنة بالقرب من القصر الملكي، حيث يوجد معبد ديبود الذي اهدته مصر الى إسبانيا عام ١٩٦٨ تقديرا لمساهماتها في جهود انقاذ معبد أبو سمبل.

سحرتني المقولة الاسبانية الشهير “من مدريد الى الجنة” لأنها بالفعل جنة الله في الارض، فحتى العشب هنا له لون مميز، ليس الأخضر المتعارف عليه، بل هو درجة جديدة من درجات الوان قوس قزح التي تأخذ عينيك الى عالم هادئ وبديع.

الدخول الى حديقة “الرتيرو” يعني الانتقال الى عالم سحري ملئ بكل شيء جميل، فتغريد العصافير والطيور يخرج من قلب اشجار متعددة الالوان والاشكال، فلا يسعك حين تراها إلا ان تقول: سبحان الله.

إنها أشهر حديقة في اسبانيا ويطلقون عليها هنا رئة العاصمة ، كما أنها من أشهر الحدائق في أوروبا على الاطلاق.

يبدو الإسبان في مدريد عاشقين للحياة ويجيدون التمتع بها، فلا شيخوخة تهزمهم ولا هموم تحول دون اظهار عشقهم ورضاهم عن رحلة حياتهم.

حقا… من مدريد الى السماء… وسيبقى سحرها يسكنني حتى وإن غابت عن ناظري.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث