النازيون الجدد والهويات القاتلة

النازيون الجدد والهويات القاتلة

إميل أمين

منذ بضعة اعوام كتب الاديب اللبناني الاصل الفرنسي الجنسية ” أمين معلوف ” عمله الرائع :” الهويات القاتلة “، وفيه تحدث باسهاب عن اشكالية العودة إلى منطق وروح القبلية الكونية التي باتت تسيطر على العالم مؤخرا .

مثير الشان الإنساني إلى ابعد حد ومد، ذلك أن العولمة التي عملت على تقريب المسافات او قل إن شئت الغائها وقربت الحدود وازالت السدود بين البشر، كانت سببا مباشرا في اذكاء نيران ونعرات القبلية الهووية، وخرج علينا هنتنجتون بنظرية صدام الحضارات، وفرانسيس فوكاياما بصرعة نهاية التاريخ، على اساس انها مشتهى الاجيال ومنتهاها.

اقرب مثال في عالمنا العربي جرت به المقادير هو ذاك الذي عرف بالربيع العربي، وقد كان المنشود منه القفز على الماضي وبناء المستقبل الديمقراطي المدني ولن نقول العلماني، حيث العلمانية كلمة سيئة السمعة في عوالمنا وعواصمنا العربية.

لكن الغريب ان عجلة الزمن عادت إلى الوراء لتفرز لنا اخوان وسلفيين، وعودة إلى الانغلاقات التراثية، حيث التمحور حول ماضوية الماضي وتراثية التراث والسيكولائية الاجترارية، اي الاعتقاد بان الخير في كل سلف والشر في كل خلف.

والشاهد اننا كنا نظن ان هذا المشهد عربيا فقط، بسبب امراض الجهل المقدس الذي ترسخ في جنبات حياتنا طوال عقود التكلس والتخلف ، لكن المثير حقا ان نجد دعوات العنصرية الهووية تعود من جديد في شكل بائس وتعس في دول اوروبا … ما الذي جرى هناك؟

لقد جاءت الانتخابات البرلمانية في الاتحاد الاوروبي بنتائج غير متوقعة بالمرة، اذ وللمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية تتقدم احزاب النازية الجديدة في المانيا واليابان واليونان وتتحصل على نسب معتبرة في البرلمان الاوروبي ببروكسيل.

ففي فرنسا شهدنا صعود نجم ” مارين لابان ” زعيمة حزب الجبهة الوطنية المتطرف، والمتهم بكراهية الاجانب، والذي يحمل الكثير من انصاره مواقف لا سامية.

المانيا بدورها لم تكن بعيدة عن الوباء الجديد، اذ تمكن حزب النازيين الجدد ولاول مرة من تخطي نسبة الحسم، وفي بريطانيا حزب الاستقلال المحافظ تمكن بدوره من الحصول على اعلى نسبة تاييد في تاريخه.

حتى اليونان البوابة الذهبية للفكر الاوروبي الحديث، لم تسلم من الشر المتطاير عن العصبيات المغلقه اذ حصل حزب النازيين الجدد هناك والمسمى ب “الفجر الذهبي” على ما بين 9.5إلى 12.5% وهي نسبة تمنحه المكان الثالث في الانتخابات .

حتى الدول الاسكندنافية والتي هي في الاصل بعيدة عن قضايا العالم القديم، لم تسلم من الحصاد السيئ ففي الدنمارك فاز حزب الشعب الدنماركي وهو حزب اليمين المتطرف المعارض للهجرة إلى الدولة باكبر عدد من الاصوات … هل من توصيف حقيقي لما جرى في الحال والانعكاسات في الاستقبال.؟

يمكن القول بالفعل ان هناك “هزة ارضية حقيقية” ضربت اوروبا الايام الماضية، وذلك انه عوضا عن بلورة رؤية جديدة لاوراسيا، التي تضم اوروبا واسيا، نرى الفكر الاحادي التوجه المنغلق على الذات هو الحاكم في المشهد.

إلى اين يمضي العالم؟

قالوا لنا إن العرب يهربون من العولمة إلى التراث والعودة إلى مرحلة الانسداد التاريخي المكتوب عليهم وكانه قدر منقوش على حجر، وذلك بسبب خوفهم من عدم مقدرتهم على ملاقاة الغرب بعلمه وحداثته وعصرانيته.

لكن ماذا يقولون في المشهد الاوروبي اليميني الجديد ؟

شيئ ما يتخلق في الرحم العالمي، نظام ما بعد النظام العالمي الجديد الذي ولد كالسقط .. هل تصعد البشرية إلى الهاوية اوتتقدم إلى الخلف؟

ام ان الامر برمته كما رأى الفيلسوف الكبير هيجل هو عودة من التاريخ للوراء خطوة استعدادا للقفز لمستقبل جديد خطوات؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث