أنوثة للبيع

أنوثة للبيع

محمد بركة

(1)

اسمها ناصرة ..

الصيغة المؤنثة من ” ناصر” وينطقونها “نصرة” لكنها ـ وهذا هو ما يهمكم بالطبع ـ طبق الشوكولاتة الساخنة الذي سال فجأة على شوارب خضراء بدأت في الظهور.

البيضاء التي نجت بشرتها من قيظ الغيطان وتمرد جسدها على الجبن القريش والليمون المخلل فلم يأت نحيفاً قصيراً على عادة البنات هناك في الريف المصري ..

كيف لبنت “17” ذات العيون السوداء الواسعة والصوت اللين الخفيض أن تستسلم لطابور من العيال الذين حولوا كنوز أنوثتها إلى قفص طماطم يُباح للزبائن التلاعب به؟

لم تكن تتقاضى أجراً أو تستمع بمضاجعة مراهقين يتوقون إلى إثبات رجولتهم ولو مع حمارة عجوز، فإذا بالأقدار تهديهم النسخة المحلية من “امرأة عزيز” لا تبحث عن يوسف وإنما تقبل هذه المرة بأي حيوان مستثار…

ناصرة..

عن أي شيء كنتِ تبحثين؟

(2)

قلبي مُعلق بالغرفة المعتمة التي كانت في الأصل محلاً للبقالة يبيع فيها أكياس مسحوق الغسيل أب عجوز.

مات الرجل وسافر ابنه للعمل بعراق الثمانينيات بعد أن سمع كثيراً عن الدجاج المشوي ولم يعد في البيت سوى أم ضعيفة النظر أكلت ركبتيها الخشونة وفتاة تقول للقمر: قوم وأنا أقعد مكانك.

لكن ناصرة في الحقيقة لم تكن تقول شيئاً. كانت تُجيد لغة الصمت وفن تسبيل العيون. آلت إليها الغرفة ذات الباب الذي يفتح على الشارع وتخرج منه الزبائن مُحملة ببقايا البضاعة الرخيصة. تمر الساعات وهى واقفة في الشباك تتلقى نظرات المعجبين وإيماءاتهم العابرة…

(3)

من فوق السطوح يا ناصرة أبعث إليك بتغريدات الهوى قبل أن يعرف العالم تويتر. بيتنا هو الأعلى في القرية “3 طوابق” ولا يفصل بيني وبينك سوى ترعة نحيلة وعدة بيوت واطئة

أنظر إليك فتبتسمين..

أبتسم تضحكين..

أضحك فتستسلمين..

لا أعرف ماذا أفعل بعريك وقد صرت أيتها الحسناء أشهر سر مُعلن يتقاذفك كما الكرة ذكور قريتنا رغم أنك لا تشعرين بلذة.

لست أنا من يلتهم اللحم مهما كان بارداً…

(4)

“إنها مجرد فتاة تعاني من التخلف العقلي بدرجة ما. وهذا ما يفسر خروجها من الدراسة وهي لا تزال في الصف الثاني الابتدائي كما يفسر عدم إدراكها للدلالات الأخلاقية أو الاجتماعية المترتبة على خلع ملابسها، وأيضاً، وهذا هو الأهم، يوضح لنا لماذا تفتقد للشعور باللذة أو الإثارة أثناء انفراد الصبية بها وتتصور أن الأمر مجرد لعبة”.

كدت أهتف فرحاً وامتنانا وأنا أستمع إلى تفسير الصديق القديم الذي تذكرته فجأة وأنا غارق في حيرتي فقدت سيارتي إلى حيث يقيم على مشارف الصحراء لأستفتيه في شأن بطلة حكاية قديمة عمرها عشرون عاماً…

لكن فرحة ما تمت!

صديق ثالث حضر الجلسة قال: لا.. هذا الكلام ليس صحيحاً. من الثابت علمياً أن التلميذة المتخلفة تهمل مظهرها مثل “عطيات” زميلتنا التي كانت تثير قرفنا بمنديلها وانفها دائم ، بينما كانت ناصرة رمز النظافة والجمال، ولازلت أذكر الأشرطة الحمراء الزاهية التي تزين جدائل شعرها الناعم مثل قبلة ساخنة في الأحلام…

تراجع بمقعده إلى الخلف قليلاً حيث كنا نجلس على مقهى صغير بجوار محطة السكة الحديد ثم أضاف وهو ينظر لقمر مكتمل في السماء: كان حذاؤها الذي يخفي أصابع صغيرة منحوتة لامعا على الدوام، وكانت ضحكتها أذكى من أينشتاين وتعليقاتها تجعلها نجمة في مسابقات أوائل الطلبة…”

ران صمت ثقيل ثم تنهد ثلاثتنا بعمق حين أدركنا أنني لم أكن العاشق الوحيد..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث