صحف الحائط الإلكترونية

صحف الحائط الإلكترونية

تاج الدين عبد الحق

أغبط الصحفيين الأردنيين على وزيرهم الدكتور محمد المؤمني، فقد بدا لي أقرب للميدان، منه إلى دهاليز القرار، وهو يناقش على مدى 4 ساعات متواصلة، عشرات الصحفيين الذين حضروا ملتقى الإعلام الإلكتروني الذي نظمته شبكة “إرم” الإخبارية في العاصمة الأردنية عمان بالتعاون مع مركز حماية وحرية الصحفيين.

المومني الذي ظننت أن حضوره لفعاليات الملتقى سيكون حضورا بروتوكوليا، وقف في الصفوف الأولى بين من يطالبون بدور أوسع للصحافة الإلكترونية في المشهد الإعلامي العربي، رافضا، تسمية هذه الصحافة بالمواقع، لثقته بأن الصحافة الإلكترونية لها نفس الدور الذي تلعبه الصحافة الورقية، فضلا عما تتمتع به من مزايا وامكانيات إضافية تسمح لها بإستخدام الملتيميديا.

الوزير الأردني الذي يواجه تناميا هائلا في الصحافة الإلكترونية الأردنية، يؤكد على أن المحتوى الإعلامي هو الفيصل بين الصحافة الورقية والإلكترونية، وعلى حد تعبيره فإن التصنيف الأفضل ليس تقسيم الصحافة بين ورقية وإلكترونية بل بين صحافة جيدة، وأخرى رديئة.

ماقاله الوزير بكلمات دبلوماسية، تجنبت التصنيف والتوصيف، قيلت بصيغ أكثر وضوحا، عندما تناول المشاركون قضية الدخلاء على المهنة، الذي لا يتقنون من المهنة إلا القص واللصق، مذكرين بصحف الحائط التي كان يعدها طلبة المدارس، والتي يضمنونها بعضا من قراءاتهم، وخواطرهم، والتي غالبا ما تكون مستنسخة من نص منشور أو قول مأثور.

المشكلة التي يواجهها الإعلام الإلكتروني، كما ظهر في ملتقى الإعلام، ليست مشكلة رقابة ولا ترخيص ولا تمويل، فالرقابة على المواقع الإلكترونية تكاد تكون مستحيلة في وجه هذا الانفلات في إطلاق المواقع، ولا أحد يحتاج للترخيص ما دامت التقنيات الحديثة تسمح له بالتحايل، والحصول على التراخيص بدون عناء حقيقي، بسبب وجود بدائل وجهات عديدة تسمح، وتمنح مظلة لكل من هب ودب دون تدقيق في الهوية ودون تحقق من الهدف. والتمويل ايضا لا يعد مشكلة في وقت وفرت التقنيات الحديثة فرصة الحصول على تصاميم سابقة التجهيز، ليس من دور لمن يشتريها، إلا القيام بملئها بما يصل إليه مقصه، وإعادة لصق ما يقصه، ظانا بذلك أنه اكتسب مهارات المهنة وفنونها.

المشكلة الكبرى، والتحدي الرئيسي هو المحتوى المسروق أو المحتوى الهزيل، فالإعلام الإلكتروني لن يكون قادرا على إكتساب المصداقية والاحترام، ما لم تكن لديه القدرة على تقديم محتوى خاص ومتفرد وغير قابل للسطو والسرقة. وهذه المهمة ليست مهمة التقنيات التي تضبط عمليات السطو، بل هي مهمة الدول ايضا. إذ يتعين على هذه الدول إصدار تشريعات صارمة تمنع الاعتداء على الملكية الفكرية بأي صورة من الصور.

إن حماية الملكية الفكرية هي المقدمة الأولى لتطوير المحتوى الإعلامي الإلكتروني، فبدون هذه الحماية، سيكون كل ما ينشر في المواقع الإلكترونية العربية “صابونا”: يتساوى مع غيره من المنظفات الأخرى. وبدون حماية المحتوى لا يمكن ردم الهوة بين جيل مخضرم تعود قدسية الكلمة وخلوها من كل عيب نحوي، أوإملائي، وبين جيل يلهث وراء التكنولوجيا وما تقدمه من جديد يوميا ولو على حساب سلامة الصياغة ودقتها.

وتوفير محتوى جيد، خال من عيب الصياغة ومن أخطاء الإملاء، متميزا بوفرة المعلومات، ودقتها، يحتاج إلى نوع من العمل المؤسسي القادر على توفير التمويل الكافي، واستقطاب الكوادر المؤهلة القادرة على الاستقصاء والماهرة في الصياغة واستخدام التقنيات الحديثة. وحتى الآن لا يبدو المشهد في الصحافة الإلكترونية قريبا من ذلك. فالصحف الإلكترونية المتواجدة في السوق، إما أنها نسخ من صحف ورقية ترتبط بإيقاع العمل في هذه الصحف وهو إيقاع بطيء قياسا بإيقاع العمل في الصحافة الإلكترونية. وإما أنها صحف قائمة على مبادرة فردية، تحركها طموحات شخصية أو رغبات بالشهرة لا أكثر.

الذين يتحدثون عن حالة الاحتضار للصحافة الورقية، يجب أن ينتبهوا إلى أن الصحافة الإلكترونية يمكن أن تحتضر هي الأخرى وقبل أن يكتمل نموها إذا لم يتم الاهتمام بالمحتوى، فالصحافة الشخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي باتت عنصر تهديد للصحافة الإلكترونية، وما لم يتدارك القائمون على المواقع الإلكترونية، أوالمالكين لها هذا الأمر، ويبادروا إلى تطوير مواقعهم بالعمل الجاد، على توفير محتوى جيد خال من كل سوء، فإن هذه المواقع ستجد مصيرا كمصير الصحف الورقية لكن بوتيرة اسرع وعلى شكل إنتحار جماعي، لا موت بطيء متدرج كما هو الحال في الصحافة المكتوبة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث