إنهم يمسحون الغبار عن طبول الحرب

إنهم يمسحون الغبار عن طبول الحرب

يوسف ضمرة

الروس لم ينتظروا طويلا للتهديد باجتياح أوكرانيا. ذكّرَنا لافروف بأوسيتيا الجنوبية عندما تعرضت جورجيا للمواطنين الروس. يومها اندفعت المدرعات الروسية من دون خطب وأناشيد حماسية. فالروس لا يحبذون الكلام الكثير. لا أحد يعرف كيف يتصرفون ومتى. استفاقت براغ ذات يوم عام 1968 واكتشفت أن الدبابات الروسية في المدينة. استيقظ العالم كله مندهشا. لم يحدث شيء بعد ذلك، إلى أن جاء غورباتشوف وانهارت منظومة دول المحور الشيوعي.

انضمت دول عدة إلى الأطلسي. ذهبت أخرى إلى حد إعلان العداء لروسيا. حصلت “ثورات برتقالية ” في جورجيا وأوكرانيا. فكك الغرب يوغوسلافيا بالقوة. لم يكن لدى روسيا ما تفعله إزاء هذا كله. كانت تعاني تبعات العزلة التي فرضها الغرب بزعامة أمريكية، وكانت تخوض حربا باردة، أجبرتها على الانخراط في سباق تسلح مجنون، وألزمتها بمد يد العون إلى كثير من دول العالم الثالث، واحتضان حركات التحرر العالمية، ما رتب عليها أعباء اقتصادية هائلة، انعكست على حياة المواطن اليومية.

اشتد عود روسيا بعد أكثر من عقد على انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتظرت بوابة واسع للعودة منها بقوة.

مع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، لم تجد روسيا في ليبيا ذلك الموقع المؤثر الذي تستطيع العودة منه بقوة، خصوصا أن أمريكا نفسها لم تنخرط في ليبيا كما فعلت فرنسا وإيطاليا وبريطانيا. كانت سوريا هي تلك البوابة الكبيرة لاعتبارات كثيرة معروفة في عالم السياسة. من سوريا أعلنت روسيا عودتها قوة دولية معافاة، فوقفت مع الدولة السورية ودعمتها ولا تزال بقوة، في مواجهة الإرهاب والجماعات التكفيرية التي عانت منها روسيا نفسها في القوقاز، وربما تجد نفسها متورطة معها أيضا في غير دولة مسلمة من دول الاتحاد السوفييتي.. وفي ظل تماسك روسي واضح، وقرار أوضح، بالمضي إلى آخر الشوط في الأزمة السورية، وجدت أمريكا ضالتها في أوكرانيا. حاولت إحياء الثورة البرتقالية المعادية لروسيا. ذهب مسؤولون أمريكيون إلى “كييف ” وألقوا خطبا في الجماهير. أجبروا الرئيس الشرعي على الرحيل، وأخرجوا خصمه”تيموشنكو”من السجن.

أعلنت شبه جزيرة القرم انفصالها في استفتاء شعبي، وأعلنت انضمامها إلى روسيا الأم. هنالك أقاليم شرقية في أوكرانيا تسير على النهج نفسه. بات القضم يهدد وحدة أوكرانيا. تسلح الشرقيون في مواجهة النازيين الجدد في كييف.

روسيا الآن تهدد أيا كان في حال المساس بالمواطنين الروس أو من أصول روسية في أوكرانيا وغيرها، وهي مستعدة لخوض حرب بالمعنى المطلق للكلمة. فقد ذهب الزمن الذي كان الضعف يقيدها، ويجبرها على التسليم بوقائع لا تحبذها،كتفكيك يوغوسلافيا مثلا، ومنح إقليم كوسوفو استقلالا أكبر من ذاتي.

المفاجئ في الأمر، هو أن روسيا لم تقلل دعمها لسوريا وهي تتعرض لعقوبات أمريكية وغربية. كما إنها تأخذ التهديد الأوكراني العسكري المدعوم أطلسيا على محمل الجد، ولا مجال للخطأ في هذا السياق. أوكرانيا تحشد قواتها شرقا، وروسيا تقوم بمناورات جادة غربا. هل بدأ العد التنازلي لتحويل كييف إلى “براغ” أخرى؟ لننتظر استفتاء شرق أوكرانيا…

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث