من الذي انقلب على الصناديق؟

من الذي انقلب على الصناديق؟
المصدر: تاج الدين عبد الحق

بخلاف الانتخابات الرئاسية السابقة، لا يبدو أن هناك تفاوتا بين برنامج المشير عبد الفتاح السيسي، وبرنامج منافسة حمدين الصباحي. فكلا المرشحين في انتخابات الرئاسة المصرية، من لون سياسي واحد، بل إن كليهما محسوبان على نفس التيار، أو ينتميان وجدانيا- كما أعلنا – لذلك التيار.

والانطباع، الذي يتركه تقارب المواقف والبرامج، قد يعزز وجهة نظر الذين يرفضون هذه الانتخابات، ويعتبرونها صورية، أو أنها لا تعدو أن تكون مسرحية مفبركة المَشاهد، ومحسومة النتائج، حتى قبل أن تبدأ الحملات الانتخابية، وأن المرشح المنافس للسيسي، ما هو إلا “المحلل”، الذي يعطي للانتخابات شرعيتها السياسية، ونكهتها الديمقراطية.

وبغض النظر عما يحمله هذا الكلام من موضوعية ودقة، فإنه يفتح الباب لمناقشة موقع ومكانة الانتخابات، وصناديق الاقتراع في العملية الديمقراطية برمتها. فالانتخابات والاقتراع جزء من منظومة متكاملة ترسم الحدود وتضبط الحقوق، لكن الفوز في الصناديق لا يعني تمام الديمقراطية، لأن الفوز، مهما بلغ مداه، لايسمح بإعطاء الفائز تفويضا على بياض يسمح له بالتحرك كيفما شاء، وبأي اتجاه يريد، إذ يجب أن يظل الفائز ملتزما بالقواسم الوطنية الجامعة، والنصوص، والاعراف الدستورية المانعة.

وأي تغيير، أو تجاوز لهذه الحدود، يعد انقلابا مثله في هذا مثل الانقلاب العسكري، حتى لو إتكأ الفائز على ما تفرزه صناديق الاقتراع من نتائج، وعلى ما تمنحه الانتخابات من تفويض وأصوات. ولنا في تجربة هتلر، الذي وصل للسلطة عبر الصناديق، عبرة ودرسا، فقد فاز في الانتخابات التشريعية، لكنه جعل من فوزه بعد ذلك، ذريعه وسببا للانقضاض على ثوابت وقيم الديمقراطية، حين أعاد صياغة هذه الثوابت بما يتفق مع ايدولوجية عنصرية وفردية انتهت بتفصيل ديمقراطية على المقاس، سمحت له بالإمساك بتلابيب السلطة، واحتكارها، وبالشكل والمستوى الذي يتفق مع تلك الايدولوجية وأهدافها . وكانت النتيجة وبالا، لا على ألمانيا النازية فقط، بل على العالم أجمع الذي طالته، بنسب متفاوته، كوارث وحروب لا يزال يتعالج من بعض آثارها إلى اليوم.

تقارب البرامج وتماهي الأهداف هو جوهر الديمقراطية، وحقيقتها، لأن هذا التقارب، يعني أن هناك مساحات مشتركة مع الآخر، وأن هذا الفريق منفتح على الفريق الآخر، وأنه لا يتقوقع خلف طرح ايدولوجي أو فئوي ضيق، كما يؤكد أن أي من المتنافسين لا يملك نوايا إنقلابية تخلخل الأسس التي تسمح بتداول السلطة وتناوبها، أو أنه يسعى لاحتكار السلطة أو الاستئثار بها.

من هنا، فأن التقارب بين المرشحين، ليس عيبا، بل لعله القاعدة الأساسية في الديمقراطيات الحديثة. فالخلافات الحزبية والفئوية، هي خلافات طرق التنفيذ للبرامج، وفي وسائل وأدوات الوصول إلى الأهداف المشتركة، والمعروفة سلفا والمتوافق عليها من كل الأطراف وكل التيارات.

الاختلاف بين المرشحين لا يعني تحديد أولويات وأهداف منبثقة من أجندات خاصة أومصالح ضيقة، ولكنها خلافات حول بعض التفاصيل التي لا تغير الصورة العامة، ولا تؤثر على استقرار المجتمع ولا تؤدي إلى ضياع البوصلة وتشيت الاختيارات.

في الديمقراطيات العريقة، لا يستطيع كثير من الناس معرفة الفروق بين فلسفة الأحزاب المتنافسة. من يعرف الفرق بين حزب العمال وحزب المحافظين في بريطانيا والفرق بين الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة وبين الاشتراكيين والديغوليين في فرنسا. هل يتجرأ أحد على وصف الانتخابات التي تجري في بريطانيا أو امريكا أو فرنسا بأنها إنتخابات صورية لمجرد تقارب برامج وتوجهات المتنافسين في الانتخابات؟ .

في التجربة المصرية التي سبقت تجربة الانتخابات الرئاسية الجارية في مصر، تم الاحتكام لصناديق الاقتراع ووصل الاخوان إلى سدة الرئاسة، واحتكروا سلطة الحكم، وسلطة التشريع، وبدأوا عملية ممنهجة للسيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها. وكان المصريون أمام اختيارين: القبول بانقلاب فعلي يتم بالتدريج وعلى التراخي، أداته قفازات ناعمة اسمها نتائج الانتخابات، أو الخروج الجماهيري بثورة تصحح المسار وتعيده للخيار الشعبي الذي بدأ في 25 يناير، وهذا ما كان، لتؤكد الديمقراطية مرة أخرى أن لها أنياب، تكشر عنها، لا في صناديق الاقتراع فحسب، بل في كل منعطف تتهدد عنده الأسس التي قامت عليها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث