الصحافة أخلاقاً وحواديت

الصحافة أخلاقاً وحواديت
المصدر: جهاد الخازن

أُسأل كثيراً عن معلومات لم أنشرها، ربما أكثر مما أسأل عن المنشور. كتمت معلومات كثيرة، وأهم سبب إذا طلب ذلك المسؤول موضوع المقابلة، فأنا أستطيع أن أنشر إلا أنني سأخسره بعد ذلك كمصدر للأخبار. بين الأسباب الأخرى حماية مصلحة الجريدة، أو أن لا يؤدي النشر إلى خطر على حياة ناس أو زملاء.

ربما كان أفضل أن أتوكأ على مرجع في الموضوع هو «دليل أخلاقيات المهنة للصحافيين» الصادر عن مؤسسة تومسون رويترز، فأعرض بعض ما ورد فيه على القراء، وأضيف إلى ذلك «حواديت» لأضمن بقاء القارئ معي حتى نهاية المقال.

عملت في وكالة أنباء الشرق الأوسط في بيروت وأنا طالب جامعي وأودع المراهقة، وأصبحت رئيس نوبة مسؤولاً عن الشرق الأوسط كله في نوبتي (باستثناء مصر التابعة للندن مباشرة). ثم جاءت سنة 1969، وقررت وكالة رويتر (رويترز بعد ذلك) أن تستعمل اسمها في العمل فأغلقت وكالة الأنباء العربية التي تملكها بالكامل، وأعطي كل موظف تعويضاً مضاعفاً. ثم أعِدنا إلى العمل بالرتبة والراتب السابقَيْن ولكن مع رويتر التي دخلت ميدان الاقتصاد وأصبحت شركة كبرى تباع أسهمها في البورصة.

وجدت أن معي 40 ألف ليرة لبنانية، وهو مبلغ يكفي لشراء شقة في تلك الأيام، فذهبت إلى ألمانيا واشتريت مرسيدس 300، وازددتُ شعبية بين بنات الجامعة.

الدليل يقول إن الأخلاقيات تختلف من مؤسسة صحافية إلى أخرى، وهي تبدأ من حيث ينتهي دور القواعد والقوانين، ويحاول الصحافي الموازنة بين الاعتبارات المتعارضة في السعي وراء الحقيقة.

عمل الصحافي شرح الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتدقيق في عمل الحكومة والقضاء والشركات، وتوعية الجمهور في العملية الانتخابية.

أعترض على ما سبق فالصحافي ليس «مبشراً» لذلك أفضل التالي مما يسجل التقرير: الدقة أمر مقدّس / تصحيح الخطأ دون محاولة التنصّل من المسؤولية / حماية مصادر الأخبار وعدم كشفها للسلطات / تفادي تضمين رأي في الخبر أو تحويل الخبر إلى رأي / عدم الاختلاق أو الانتحال / عدم دفع مال للحصول على خبر.

التقرير يتحدث بعد ذلك عن القرارات الأخلاقية ويقول إن بعضها سهل عندما يكون الموضوع إما خطأ أو صواباً، وبعضها صعب عندما يوجد أكثر من صواب واحد. ثم يسأل هل ينشر الصحافي مادة سرية عثر عليها في جلسات مؤتمر قبل صدور البيان النهائي؟ أعرف مَنْ نشر وحوكِم وحُكِم عليه.

هناك نقطة في التقرير أجدها مهمة، فالصحافي مطالب في عمله بالمهنية والاحترام والإنصاف والثقة، ولكن يجب أن يحذر الاقتراب أكثر من اللازم من مصدر الخبر حتى لا تؤثر العلاقة الشخصية في الموضوع. المطلوب ثقة لا صداقة.

الدليل يعكس تجربة مَنْ كتبه ويتحدث عن الفرق بين شرق وغرب وخطر نشر الحقائق على الصحافي العربي.

الخطر موجود في بلدان عربية كثيرة إلا أنني لم أره في دول الخليج ولم أعرفه في لبنان إن في العمل مع رويترز، أو في رئاسة تحرير «الديلي ستار». عندما كنت رئيس نوبة المساء في وكالة رويترز اتصلت بي خالتي في 28/12/1968 لتقول إنها ترى من سطح بيتها مطار بيروت وهو يحترق. أرسلت إلى رويترز ما ترجمته حرفياً: مطار بيروت يحترق ويُشتَبه في تخريب إسرائيلي. وأوقف الأمن العام الاتصالات الخارجية فوراً وجاءنا في رويترز كولونيل مهدداً إلا أننا قلنا له إن إسرائيل وزعت الخبر والإعلام العالمي كله ردده، وهو شرب قهوة معنا وذهب.

أيضاً عندما اتهم الصحافيون بإفشاء «السرّ العسكري» بعد نقل تصريح لرئيس الوزراء في حينه رشيد الصلح على درج السراي القديم، حوكمنا جميعاً وحكم علينا بالسجن ولم تنفذ الأحكام.

في بلاد عربية أخرى… لا شيء أبداً فقد أزورها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث