عندما يحيل الموت العداوة إلى صداقة!!

عندما يحيل الموت العداوة إلى صداقة!!
المصدر: طارق الشناوي

من الممكن أن يتحمل الفنان كلمات الانتقاد مهما بلغت حدتها لو جاءت من ناقد ولكن، وآه من ولكن، لو أطلقت عليه من زميل مهنة، نصبح بصدد حربا أهلية لا تعرف الهدوء، تعودنا دائماً ألا نرتاح إلى آراء أبناء – الكار – الواحد، رغم أن أصدق شهادة من الممكن أن تقرأها هي عندما يكتب أو يحلل عملاً فنياً واحدا من أبناء “الكار”.

عندما تحترف المهنة فأنت تُمسك بأدق أسرارها وتستطيع أن تحدد على وجه اليقين أوجه الإبداع وأيضاً ثغرات القصور.. هذا إذا خلصت النوايا وهي نادراً ما تخلص لأنها تتدخل فيها عوامل أخرى مثل الغيرة المهنية، لو تتبعت التاريخ الحديث لاكتشفت أن أكثر الانتقادات تجريحاً هي تلك التي وجهت إلى عميد الأدب العربي طه حسين وهي التي أصابته من ابن جيله ومنافسه اللدود عباس محمود العقاد، حين وصفه قائلاً بأنه “عمى الأدب العربي”، على الجانب الآخر كان طه حسين يقلل دائماً من شأن إنجاز العقاد وخاصة “العبقريات” رغم أن العقاد كان يعتبرها عنوانه الأثير في دنيا الأدب!!.

السنباطي كثيرا ما سخر من موسيقى عبد الوهاب ويراها مسروقة من الغرب وكان عبد الوهاب كثيرا ما يصرح بأن السنباطي لم يتطور ولا يزال يخاصم العصر، وعندما قدم عبد الوهاب أول ألحانه لأم كلثوم “أنت عمري” أعتبرها السنباطي مجرد لعب عيال لا تليق بقيمة وقامة أم كلثوم.

دائماً ما نردد المقطع الأول لزجل شهير كتبه بيرم التونسي في الثلاثينيات يقول فيه “يا أهل المغنى دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله” على اعتبار أنها تسخر من الغناء الردئ .. ولا يدري أغلبنا أن بيرم التونسي أشار إلى أغنيات أحمد رامي ومحمد عبد الوهاب بإعتبارها عنوانا صارخا للرداءة مثل التي كتبها رامي ولحنها وغناها عبد الوهاب “يا وابور قولي رايح على فين” وأشبعها ذماً واستهزاءً!!.

لا أحد ينسى مثلاً الخلاف الحاد بين فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ.. نعم ما تبقى في الذاكرة هو هذا البرنامج اللبناني الذي استضاف عبد الحليم وفريد وانتهى بالأحضان الدافئة إلا أن الحقيقة هي أن الأحضان أخفت جبالا من الجليد.

لم يكن مثلاً أحمد شوقي يرتاح إلى تلك الثنائية التي تجمعه دائماً مع حافظ إبراهيم حيث دأبت الصحافة وما تزال أن تقول “شوقي وحافظ” كان شوقي يرى حتى قبل أن يحصل على إمارة الشعر العربي أنه لا يجوز أن يقترن اسمه بحافظ أو غيره .. وكان حافظ يعلق ساخراً لماذا يغضب إنهم يقولون “عسل وبصل” يعتبرني أنا بصل!!.

نعم لا يستطيع أي راصد للحياة الفنية أن يغفل الصراع الساخن الذي كان طابعا مميزا بين المتنافسين من أبناء “الكار” ولكن ربما يُطل الفنان بعد زمن خاصة بعد رحيل منافسه عن الحياة ويكتشف برؤية حيادية، كم كان مخطئا عندما بدد طاقته في معركة وهمية، وهكذا نعى مثلا شوقي، وقوله بعد رحيل حافظ “ياليتني كنت فداك من الردى”، وعبد الوهاب قال بعد رحيل السنباطي “إن موسيقاه هي عنوان الجمال والجلال والوقار” وعندما سألوه أن يرشح أغنية واحدة تدخل بها أم كلثوم التاريخ أختار رائعة رياض السنباطي “الاطلال”، مثلما فعل مؤخرا سلطان مع بليغ حمدي ناعتا إياه بالمبدع الكبير والصديق العزيز!!.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث