فخامة الفراغ

فخامة الفراغ
المصدر: تاج الدين عبد الحق

فخامة الفراغ مصطلح لبناني بامتياز، لكن الصيت للبنان، والغنى لمعظم الدول العربية.

اللبنانيون هم من نحت المصطلح، وأكثر من استخدمه لتوصيف وتحليل متاعب الفشل في إختيار رئيس جديد، في ظل معادلة طائفية وسياسية شديدة الخصوصية، وبالغة التعقيد، وفي ظل أوضاع أمنية حساسة، وتجاذبات إقليمية ضاغطة.

في لبنان يكون التلويح بالفراغ، عامل دفع للسياسيين للاتفاق على حل وسط، وللاتفاق على التغيير، واختيار بديل، وللتحذير من مخاطر التمسك بالمواقف، والتشبث بالحسابات الفئوية والطائفية الضيقة.

وقلما استخدم هذا المصطلح لتجاوز الدستور أو التحايل عليه، فالفراغ في لبنان له معنى حقيقي، إذ يمكن أن يؤدي الفراغ إلى تفتيت المعادلة اللبنانية الحساسة، ويفتحها أمام احتمالات خطيرة تتجاوز حدود الوطن الصغير إلى الإقليم، ولذلك فإن التصدي للفراغ الرئاسي لا يكون في معظم الأحيان جهدا لبنانيا خالصا، بل تشترك فيه كل الأطراف الاقليمية والدولية الفاعلة.

لكن المصطلح، الذي أصبح مصطلحا عابرا للحدود، له في بعض الدول العربية معنى مختلف، واستخدام مغاير، فالفراغ بالنسبة للبنان تعطيل لمسيرة الديمقراطية وتداول السلطة، أما في الدول العربية الأخرى فهو وسيلة للابقاء على الوضع الراهن واستدامته، والتشبث به، وحشد التأييد له.

الخوف من الفراغ في لبنان خوف على الديمقراطية، وتمسك بها، لكنه عند الآخرين دفاع عن الديكتاتورية، وتجميل لها. الفراغ الذي يخشى اللبنانيون حدوثه في منصب الرئاسة، يتم استحضاره عند الآخرين لتبرير التمسك بالسلطة ، أو تجاوز الدستور أو التحايل عليه.

في التاريح العربي الحديث، هناك زعامات عربية عديدة وصلت للحكم في غفلة من التاريخ، لكن ما لبثت، بطول المقام، أن تحولت إلى قيادات وصفت بأوصاف أنزلتها منازل الآلهة، وربطتها بحياة الناس وطموحاتهم وآمالهم . هذه الزعامات، التي أصبحت في بعض الأدبيات السياسية والحزبية العربية ” القيادات الضرورة ” التي لا تستقيم الحياة بدونها ولا تستقر الأوضاع بغيابها، جعلت من نفسها صنوا للفراغ ومكافئا له. لا شيء بعدها ولاشيء قبلها.

في السابق، لم يكن الأمر يحتاج إلى العناء الذي يواجهه قادة هذه الأيام، فلا ترشيح ولا من يترشحون. هناك اسم واحد هو اسم الزعيم يجري عليه الاستفتاء، ويتم التجديد له مرة بعد أخرى، ليصبح ارتباطه بكرسي الحكم نوعا من الارتباط القدري، لا ينتهي إلا بانتهاء حياة الزعيم أو بالإنقلاب عليه .

اليوم يتغير الأمر، فالجو السياسي ربيع، والطقس بديع، على حد قول الشاعر صلاح جاهين، ولذلك لا بد من مجاراته والتكيف معه، ورسم السيناريو المناسب الذي يتفق مع أدبياته وطقوسه .

الجزائر كانت مثلا صارخا للكيفية التي تم فيها الحفاظ على الرئاسة، والابقاء على رئيس بالكاد استطاع الادلاء بصوته فوق كرسي متحرك، وبالكاد تمكن من تلاوة القسم بعد حملة انتخابية كان هو الغائب الاكبر فيها، حيث لم يطل خلالها على الجمهور الذي انتخبه ولو مرة واحدة . ومع ذلك فاز فوزا سهلا أين منه فوز الـ 99%. طبعا الذين كانوا وراء ترشيح بوتفليقة وفوزه بولاية رابعة، هم أصحاب نظرية التحذير من الفراغ، الذي كان سيتركه الرئيس في حال عدم التجديد له، وكأن ارض المليون شهيد عجزت أن تلد ندا ومثيلا له .

المشهد يتكرر في سوريا التي لوح أنصار النظام فيها بالفوضى والفراغ، لترهيب كل من يطالب برحيل الأسد ، ويعمل على منعه من الترشح لولاية رئاسية ثالثة. ويبدو أن الفراغ الذي يحذر منه أنصار الاسد هو من النوع النسبي، فقد تجاوزت الاحداث في سوريا حد الفوضى التي كانت أقسى ما يخشى منه الناس، فأصبحت الفوضى التي يحكمها الأسد هي الجنة التي يدافعون عنها، في مقابل حكم المليشيات التي لا تتورع عن ابتكار اشكال من القتل من كل صنف ولون.

الدفاع عن الفراغ والتحذير منه يتم أحيانا بأثر رجعي، فبعض رموز نظم الحكم المنهارة، تجد ما يحدث في أوطانها من انتهاكات لحقوق الإنسان سببا لتأكيد أن الفراغ الذي تركه من غابت شمسهم، وانطفأ بريقهم، لايمكن تعويضه حتى لو كان ذلك الفراغ من صنيعة تلك النظم ولخدمة ما كانت ترسم من أهداف، رغبة في الاستمرار في الحكم وتوريثه إن أمكن.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث