لبنان، قصة تشوهات مرعبة

لبنان، قصة تشوهات مرعبة

يوسف ضمرة

سمير جعجع لم يقاتل الملائكة. صحيح ما قالته بيسان الشيخ في مقالة لها في صحيفة الحياة. لم يقل أحد من قبل إن جعجع قاتل الملائكة. لكنه قتل بشرا كثيرين. فلسطينيين ولبنانيين وسوريين وإيرانيين. قتل على الهوية. أخفى رجالا ونساء وأطفالا في مواقع لا يعرفها أحد. فجر كنائس وارتكب مجازر جماعية واعترف بها. طوني فرنجية وعائلته. داني شمعون وعائلته. أمضى إحدى عشرة سنة في السجن. لم يقل لنا قاض واحد حتى اللحظة إن جعجع كان بريئا، أو إن الحكم كان تحت ضغط السوريين. فجأة يتبنى تيار المستقبل الذي يقود 14 آذار سمير جعجع مرشحا لرئاسة لبنان. نسي الحريري الصغير أن والده كان رئيس حكومة لبنان في تلك الفترة التي أمضاها جعجع في السجن. نسي نواب طرابلس ـ إلا من رحم ربي ـ أن جعجع قتل رئيس وزراء لبنان الطرابلسي رشيد كرامي.

ما يحدث في لبنان ليس مجرد انتهاك لقانون أو دستور. فالقانون اللبناني ـ كما يبدو يسمح لقاتل ومحكوم بالترشح لرئاسة الجمهورية ـ فهذا لبنان. لكن ما يحدث اخطر وأكثر غرائبية من انتهاك قانون. إنه تعميم التغاضي عن القتل. إنه نشر لقيم التسامح في مصائر البشر التي ينتهكها بشر آخرون. أي ثقافة ستسود في المجتمع اللبناني بعد ذلك؟ ثقافة تحويل الإنسان إلى مجرد شيء كمقعد النيابة أو الوزارة أو رئاسة الجمهورية. شيء لا قيمة له سواء كان موجودا أم غائبا. سوف تجري المياه في النهر بحصاة في قعره أو بدونها. وبالرب أو بدون الرب سوف يمارس الإنسان الأكل والجنس كما قال ماركيز. وبقوانين ودستور أو من دون ذلك سوف يواصل اللبنانيون زرع ثقافة الحقد والكراهية وحصد نتائجها كما كانوا يفعلون دائما.

لقد دخل لبنان مرحلة جديدة في تاريخه، بدأت مع ظهور 14 آذار، تحت مسميات بائسة وفارغة من المعنى، كالعبور إلى الدولة، والوطن النهائي وما إلى ذلك. ولا أحد من هؤلاء يفكر في الطريقة التي يمكن لبنان أن يسد بها 90 مليون دولارا كديون مستحقة. سوف يولد كل طفل لبناني مقيدا من عنقه وأطرافه وعقله بهذه الديون، تماما كما ينجب العبد عبدا لا سيدا حرا.

محزن أن يكون العداء لسوريا هو البوصلة، وأن تختفي بعد ذلك المعايير في بطن جبل النفايات في صيدا، أو في جرود عرسال حيث المجانين يهيئون الموت للناس شرقا وغربا.

14 آذار خيبة الخيبات اللبنانية، وهم على تواصل دائم مع “اللبواني” الذي أبدى استعداده للتبرع بالجولان لإسرائيل طالما جمعته بها مصلحة مشتركة هي إسقاط الأسد. ألم يتصل الجربا بجعجع ويشد على يده؟

يبدو أن التشوهات التي طالت كل شيء في لبنان إثر الحرب التي امتدت خمس عشرة سنة، تتحول إلى جينات في خارطة الجينوم اللبناني.. للأسف!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث