رجاء.. أغرقوا القدس بالحجاج..!

رجاء.. أغرقوا القدس بالحجاج..!

نظير مجلي

يبدو أن زيارة الكاردينال الماروني بطرس الراعي إلى الأماكن المسيحية الفلسطينية المقدسة، في القدس وبيت لحم والناصرة، ستكون موضوع خلاف عربيا آخر. وكعادتنا، نحن العرب، ومن خلال خطاب سياسي مستمر بلا تغيير طيلة ست وستين سنة، نرى فيها “خطر تطبيع مع اسرائيل”. ويخرج أتباع التكفير في حملة تخوين، حتى لشخصية عربية وطنية كبيرة مثل الراعي.

ونعود إلى الشعارات التي أطلقت ضد حجيج المسيحيين المصريين إلى القدس وتضمنت هجوما على بابا الأقباط الجديد وكنا قد سمعنا الفتاوى والتصريحات التي اطلقها الشيخ القرضاوي ضد زيارات المسلمين إلى الأقصى.

وليسمح لي هؤلاء جميعا بمخالفتهم، راجيا إعادة النظر في هذا الموقف بشكل مبدئي ورؤية التطورات الجديدة في منطقتنا ودراسة ما تتطلبه من تغييرات.

إنني كواحد من سكان الناصرة المسلمين، البلدة التي يتوق فيها الموارنة وغيرهم، إلى استقبال الراعي بالترحاب والحب الكبيرين، أرجو لفت النظر إلى ما تعانيه القدس وبيت لحم والناصرة وغيرها من البلدات الفلسطينية وأهلها.

فالقدس تعاني من أضخم وأبشع عملية تهويد في تاريخها، تستهدف تقليص وربما تصفية معالمها العربية، أكانت مسيحية او اسلامية. والمسيحيون الفلسطينيون داخل اسرائيل يتعرضون اليوم لحملة شرسة لسلخهم عن شعبهم وفرض الخدمة العسكرية في الجيش الاسرائيلي على ابنائهم وإدخالهم في صراع مع اشقائهم الفلسطينيين من الطوائف الأخرى. وبيت لحم تعاني من حصار احتلالي يستهدف جعل العيش فيها مستحيلا على المثقفين وأصحاب المصالح. والقدس تعاني من عملية سلخ عن الضفة الغربية لا سابق لها.

بالطبع، نحن لا نرى ان زيارة غبطة البطريرك الراعي سوف تنقذ القدس وتحل مشاكل أهلها. ولا زيارات الأقباط المصريين لكنيسة القيامة وزيارات العرب والمسلمين للأقصى كفيلة بإنهاء المعضلة وإبعاد الحيف. لكن، في ظل سياسات التهويد والتفريق، توجد أهمية كبرى للحضور العربي في هذه الأماكن.

أهل القدس المسلمون عندما يرون في كل يوم بضع مئات أو ألوف من العرب المسلمين في المسجد الأقصىى، سيرون في ذلك تشجيعا معنويا ودعما قويا لصمودهم. والمسيحيون، الذين ينخفض عددهم باستمرار في البلدات الفلسطينية، سيشعرون بالقوة وهم يستقبلون أخوتهم في الايمان وقادتهم الروحيين من حولهم، يؤمون كنائسهم ويوثقون الرباط بهم، ويصبح أهل الرباط اشد رباطا في الوطن والوجدان.

وهذا ليس كل شيء.

نحن نتحدث الآن عن أنفسنا ولم نتحدث بعد عن الطرف الآخر؟

قد ترحب اسرائيل بغبطة البطريرك الراعي، خصوصا وأنه يصل برفقة قداسة البابا فرنسيس أو بالتزامن مع زيارته. وقد ترحب بوفد رمزي هنا وهناك إلى كنيسة المهد أو الحرم القدسي الشريف. ولكن هل تحسبون ان هذا الترحيب هو جوهر الموقف الاسرائيلي؟

إن حكومات اسرائيل منذ قيامها، تعمل بكل ما في وسعها لكي ينسى العرب تلك الشريحة الباقية في وطنها منذ النكبة ورغم النكبة. ومنذ احتلال 1967، تسعى بكل قواها لكي ينسى العرب القدس وبيت لحم والناصرة وغيرها من الأماكن المقدسة على المسيحيين والمسلمين والدروز. فهي تريد ان تكون هذه البلدات وغيرها محجا لليهود القادمين من كل أصقاع الأرض. وتريد ان يؤم الحجاج المسيحيون من اوروبا وآسيا هذه الأماكن في اطار تشجيع السياحة، حيث ان كل سائح يصرف في اسرائيل 1000 دولار وقدوم 3 ملايين سائح سيدخل لخزينتها 3 مليارات دولار على أقل تعديل. ولكنها لا تريد زيارات العرب والمسلمين حتى لو صرف الواحد منهم 20000 دولار، وذلك خوفا من ان يتغير طابع هذه الأماكن وتعود إلى انتمائها العربي.

فهل تحسبون ان اسرائيل ستسمح بتدفق ملايين العرب من المسلمين والمسيحيين والدروز إلى هذه الأماكن؟ هل تعرفون كم هو صعب حصول عربي من الدول التي تقيم السلام معها، على تصريح اسرائيلي لمثل هذه الزيارات؟ إسألوا أهلنا في مصر والأردن؟ فهي ترفض 90% وأكثر من الطلبات. ورفضها هذا ليس لأسباب أمنية، بل لأسباب استراتيجية تتعلق في رغبتها بمحو أكبر قدر من الحضور العربي والوجود العربي في هذه الأماكن. فهي تعرف جيدا ما هو مغزى هذه الزيارات وماذا ستكون تبعاتها ضد سياسة التهويد.

لذلك، أتركونا من حجة التطبيع. فمن يأتي كعربي محصّن بالروح الوطنية، لا تمس بوطنيته زيارة تتم تحت العلم الاسرائيلي المغروس بالقوة في القدس أو غيرها. والعكس هو الصحيح. فالوجود العربي يحصن الانتماء العربي للفلسطينيين المنغرسين في وطنهم رغم العسف والقمع والاضطهاد. فرجاء إذن، تعالوا وأغرقونا بزياراتكم. فهذه زيارات تعزيز لعروبة الأماكن العربية وليست “تطيبع”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث