ترقيع على نية الاصلاح

ترقيع على نية الاصلاح

تاج الدين عبد الحق

يسجل للملك عبد الله بن عبد العزيز، بأنه كان الأجرأ بين ملوك السعودية، في السعي للاصلاح، وأن القرارات التي اتخذها في هذا الشأن منذ تقلده مهام الحكم، مثلت، كما ونوعا نقلة في ذلك السعي، لكن تلك القرارات، على جرأتها النسبية، ظلت أشبة بالترقيع لثوب تملأه الرتوق دون أن تتحول إلى عمل مؤسسي يأخذ سياقا متصلا، وحركة مستمرة.

وبخلاف السنوات الأولى من حكم العاهل السعودي، التي أخذت فيها رغبة الاصلاح طابعا شعبيا، والتي كون خلالها الملك قاعدة جماهيرية واسعة، فإن السنوات الأخيرة أظهرت أن المشكلة لا تكمن في القاعدة، بل في قمة الهرم. فكل مظاهر القصور والوهن في الخدمات والإدارة تبين أن أساسها ومنبعها النخبة العليا في الأسرة الحاكمة أو من يحيط بهم من المنتفعين والمحاسيب. وما تواتر قرارات الإعفاء والإقالة، التي طالت أكثر من أمير وأكثر من وزير، إلا بمثابة الحجر الكبيرالذي يلقى في مياه راكدة، ليترك إرتدادات وتوقعات يريد من خلالها الملك، تأكيد الرغبة في التغيير أوتكريس الإهتمام بضرورته.

ومع أن الإقالات أو الإعفاءات الأخيرة التي شملت بعض أفراد الأسرة الحاكمة، تركت وراءها مثل تلك الإرتدادات، إلا أن دعاة الإصلاح لم ينظروا لها كوصفة علاج لإزمة الدولة، بقدر ما هي شكل من أشكال التصحيح لدور الأسرة الحاكمة، وتحديد مكانها في عملية الاصلاح.

فكثيرون يرون أن مشاكل الأسرة الحاكمة السعودية والصراعات الظاهرة والخافية بينها، هي عبء على عملية الإصلاح، وعامل عرقلة لها، وإنه مالم يتم ترتيب الأوضاع داخل الأسرة الحاكمة فإن القضايا اليومية للمواطن السعودي ستظل تدور في حركة مفرغة، دون أن تصل إلى حلول أو نتائج، بل إنها قد تتفاقم كلما طالت فترة العلاج أو تباطأت خطط الإصلاح.

وعلى خلاف الدول الأخرى التي تكون فيها مشاكل الأسر الحاكمة بعيدة عن تناول الناس، فإن تفاقم هذه المشاكل، جعلتها بمثابة الخبز اليومي، للمنتديات والمجالس، و لوسائل التواصل الاجتماعي، وحتى لبعض وسائل الإعلام الرسمية أو المحسوبة على الدولة السعودية.

فأعضاء الأسرة الحاكمة السعودية، بالأداوار التي يلعبوها داخل أجهزة الدولة، ومؤسساتها، وتأثيرهم في دوائر المال والاعمال، لم يعودوا طرفا محايدا، في الهموم اليومية التي يواجهها السعوديون، فهم منافسون لهم في المناصب الحكومية وفي المصالح التجارية، وفي التخصيصات الخدمية. وقد تحول تراكم الدور الذي لعبه بعض أفراد الأسرة الحاكمة، إلى حالة تجعل منه مركزا من مراكز القوى داخل المملكة، وبات هذا الدور في بعض الأحيان بؤرة لتفريخ الفساد، والاستئثار بالسلطة، وإلى أدوات تعرقل التغيير والتحديث.

وكان يمكن أن يكون هذا التداخل والتنافس منضبطا ومقبولا، لو أن “القصعة” تكفي للجميع، كما هو الحال في الدول الخليجية الأخرى التي لديها من الموارد ما يكفي لتلبية أحتياجات مواطنيها، وتوفير مستوى معقول ومقبول من الخدمات والامتيازات التي يتفترض توفرها في مجتمع محسوب على مجتمعات الرفاه. لكن السعودية غير دول الخليج الأخرى، فرغم ما لديها من موارد هائلة وما تملكة من إمكانيات وطاقات، فإن إدارة وتوزيع هذه الموارد ترك قطاعات واسعة من المواطنين السعوديين في مرمى الحاجة والتهميش. فقطاع عريض من الخريجين السعوديين من أصحاب التخصصات العالية، يعانون البطالة، فيما يتمتع بعض المحسوبين على أفراد الأسرة الحاكمة من أنصاف المتعلمين بمناصب ووظائف لا يستحقونها ولا يقدرون على القيام بما تفرضه عليهم من واجبات ومسؤوليات كما أن تركز الثروة بيد القلة القليلة، ترك مناطق كثيرة محرومة بعيدة عن مركز القرار ودائرة النفوذ.

قد لا تكون رياح التغيير التي تهب على المنطقة قريبة من المملكة، لكن الواضح أن تجاوب العاهل السعودي مع ما يردده المواطنون، قد يكون نوعا من التحسب لتلك الرياح، وهو تحسب لايزال بطيئا بالقياس لما تواجهه المملكة من تحديات، لكن تعدد القرارات التي اتخذها الملك عبد الله في الآونة الأخيرة يؤكد، أن استحقاق الإصلاح لم يعد قابلا للتأجيل، وأن هذا الاصلاح مهما بدا قاسيا، هو أقل كلفة من حالة الانتظار التي يصبح بعدها الامر غير قابل للعلاج.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث