من تشرشل إلى فيرجسون

من تشرشل إلى فيرجسون

إميل أمين

هل البحث عن حضارة إنسانية واحدة في أيامنا هذه بات فرض عين على سكان البسيطة كلها؟

الجواب ربما يكون هناك ما يحتم ذلك بالفعل .. ماذا عن هذه الحتمية التاريخية الآنية؟

خذ إليك التغيرات المناخية على سبيل المثال، إنها اليوم التحدي الحضاري الحقيقي الأول والأخطر، وهي تحدي يفرض على الجميع عملاً جباراً وأملاً خلاقاً، جباراً من ناحية تضافر جهود الشرق والغرب، الروس والأمريكان، الحضارات السلافية وتلك المسيحية، والحضارة الإسلامية ونظيرتها اليهودية، الكونفوشيوسية والبوذية، فكارثة تغير المناخ لن توفر بشراً على الأرض من آثارها السلبية والكارثية.

إن جميع شعوب الأرض اليوم في مهب العاصفة بشكل أو بآخر سواء أكنا أغنياء أو فقراء، مستكبرين أو خاضعين، محتلين أو تحت الاحتلال، فنحن جميعا على متن زورق هزيل، سائرين إلى الغرق إذا أبحرنا فرادى وليس جماعات، ومن أسف نبدو كبحارة يتصارعون فوق سفينة، ولا يكفون عن تبادل الاتهامات والمشاحنات غير آبهين لتعاظم أمواج البحر، بل من المؤسف هو أننا كثيراً ما نرحب بالموجات القاتلة إذا ما ابتلعت أعدائنا أولا إبان صعودها نحونا، ولا يشغلنا أن مصيرنا سيكون سيئا للغاية في نهاية الأمر.

ما الذي يعوق تكامل الحضارات من أجل خدمة الإنسانية؟

ربما كانت فكرة القومية الحضارية من قبل البعض في مواجهة البعض الأخر، الأمر الذي يمكن أن نطلق عليه غرور الحضارات، هو العائق الأول والأكيد، وليدنا في فكرة الضرورة عند الرجل الأبيض تجاه تحضر بقية شعوب العالم مثال على هذا التفكير، وهو الأمر الذي انعكس لاحقاً على الحضارة الغربية بأكملها.

غير انه من قلب العالم الفكري الغربي يخرج من يقر ويعترف بأن الحضارة الغربية لا تخلو من العيوب القاتلة، فقد استنفذت هذه الحضارة حصتها من الآثام التاريخية، بدءا بوحشية الاستعمار إلى ابتذال المجتمع الاستهلاكي، ويضاف إلى ذلك أن إغراقها في المادية أدى إلى كل أنواع العواقب الوخيمة وليس أقلها تلك الرغبات التي شجع “فرويد” الغربيين على الانغماس فيها.

ذات مرة تحدث رئيس وزراء بريطانيا الأشهر وبطلها في الحرب العالمية الثانية “ونستون تشرشل” عن نقطة جوهرية في سياق فهم مسيرة الكيانات الإنسانية، وذلك عندما عرف “المبدأ الرئيسي للحضارة الغربية” على أنه “خضوع الطبقة الحاكمة للعادات والتقاليد المتفق عليها بين الناس ولإرادتهم كما يعبر عنها الدستور، سأل تشرشل: لماذا لا تربط الأمم نفسها معاً في نظام أكبر وترسخ حكم القانون لمصلحة الجميع ؟ كان ذلك عنده بالتأكيد، الأمل الأسمى الذي يجب أن نسير جميعاً على هدية …

غير أن مؤرخاً بريطانياً شهيراً آخر، يرى أن من العبث أن نتصور أن مجرد … إعلان المبادئ الصحيحة … سيحمل معها قيمة إلا إذا دعمت بخصائص مثل الفضائل المدنية والشجاعة الرجولية، وكذلك بالأدوات ووسائل القوة والعلم التي يجب في نهاية المطاف أن تدافع عن الحق والمنطق.

يؤكد ونستون تشرشل على ما نذهب إليه في قراءتنا هذه من حتمية تعاون الأمم والحضارات لخير الإنسان والإنسانية فيقول في كتابه “الحضارة ، إن الحضارة لن تدوم، والحرية لن تبقي، والسلام لن يخيم، إلا إذا اتحدت غالبية كبيرة جداً من البشر من أجل حمايتها، وإلا إذ أظهرت هذه الغالبية أنها تمتلك سلطة حفظ الأمن، وهي السلطة التي يجب أن تخيف القوى البربرية والغرائزية.

ظهرت تلك القوى البربرية والمتخلفة في العام 1938 في الخارج وعلى الخصوص في ألمانيا، ولكن كانت تلك نتاج الحضارة الغربية بمثل ما كانت عليه قيم الحرية، والحكومات الشرعية التي كانت عزيزة على قلب تشرشل. أما في هذه الأيام، وكما كانت الحال في ذلك الوقت، فإن أكبر تهديد يواجه الحضارة الغربية ليس ذلك الصادر عن الحضارات الأخرى بل هو ذلك الجبن الذي يسيطر علينا، وكذلك جهلنا التاريخي الذي يغذيه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث