حين يصبح اسم الأم عارا

حين يصبح اسم الأم عارا
المصدر: محمد بركة

يا نوسة! يا نوسة!

كان يصنع من كفيه بوقاً ويصرخ باسم أم زميله وقد قرر الانتقام، صرخاته تشق سكون الشارع الجانبي الهادئ المتفرع من شارع الهرم عند كازينو الليل”.. الولد المجروح فى كرامته الذي وشى زميله باسم والدته وصارت الشِلة كلها تعرف أن اسمها “عزيزة”.

من الليلة سيصبح اسمه “أحمد عزيزة”.. إذن ليس أقل من أن يعرف أعضاء الشِلة الذين تجمعوا ليلة الجمعة على الناصية أن زميله منصور الشهير بـ “أورتيجا” تحمل أمه اسم ” نوسة” ليناديه صباح الأحد أثناء الطابور كل من هب ودب بـ “أورتيجا” سعاد، فالسن بالسن والعين بالعين والبادي نهار مامته أسود..

كنت أحمل كيساً ضخماً وأنا في طريقي للبيت من السوبر ماركت. الكيس امتلأ عن آخره بالأصناف المفضلة لمن يعيش “سنجل”: زجاجات المياه المعدنية والنسكافيه والبن وما تيسر من أجبان. صار الكيس عبئاً ثقيلاً على أطراف أصابعي، فوضعته بحرص على الرصيف ووقفت لأُريح أصابعي وأنا أُردد في نفسي:

ـ صدق من قال التاريخ يُعيد نفسه ولا جديد تحت القمر.

قبل عشرين عاماً بالضبط كنا عيالاً في قرية بعيدة سقطت سهواً من خارطة ريف الدلتا. لا تنشط عزيمتنا إلا حين نُمارس فنون التجسس لمعرفة أسماء أمهات بعضنا البعض، ونهدد صاحب من أوقعه حظه العاثر فى قبضة من لا يخاف الله ولا يستر على “ولايا” المسلمين.. إما أن نُذيع الخبر فيُجلل صاحبه العار أو نبتزه ليشترى سكوتنا بسندوتشات تعبت أُمه فى تجهيزها له…

تُرى ما الذي يجعل اسم أمهاتنا عاراً إلى هذا الحد؟

ما الشيء المُخجل إلى هذه الدرجة في أن أعرف أن ست الحبايب اسمها: صابرين أو فاطمة أو حتى بهانة؟

الآن أقف فى الشارع الجانبي لأتلقى صفعات على وجهي من ريح باردة وأنا أتساءل، أما وقتها فقد نجحت جهودي الحثيثة فى إخفاء حقيقة أن أمى اسمها “دام العز”.. هذا الاسم غير المسبوق الذي أطلقه جدي لأول وآخر مرة فى تاريخ السجل المدني حين فقد نصف ثروته من الأراضي والمواشي وحين جاءته هذه المولودة تفاءل بها خيراً في استعادة “العز” المفقود لعله يعود و”يدوم” هذه المرة..

من كان سيصغى من أقراني لهذه القصة؟ إنهم لو عرفوا أن اسمها “عزة” لانكشف سري، فما بالك لو عرفوا أنه اسم الشهرة الذي أفلح مؤقتاً في التغطية على غرابة الاسم الأصلي الذي يراه كثيرون دعوة صريحة للاستهزاء والسخرية…

استعادت أصابعي شيئاً من راحتها المفقودة، فعدت أحمل الكيس الممتلئ وأنا أفكر: لماذا مرت شهور وأنا فى القاهرة لم أزر أمي.. لماذا مرت أسابيع دون أن أرفع سماعة الهاتف لتتشرب روحي نبرات صوتها الحنون؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث