مائة جمل في الفناء

مائة جمل في الفناء
المصدر: سمير عطا الله

كان بول بولز شاعرا وروائيا ومترجما وموسيقيا وضع الألحان لأشهر أفلام هوليوود. لكنه اختار منذ العام 1949 أن يعيش مع زوجته في طنجة حتى وفاته العام 1999. كانت شقته المتواضعة للأدباء الأمريكيين الزائرين. وقد ترجم إلى الإنجليزية الكثير من الأعمال المغربية، كما حفظ ونقل الفولكلور الغنائي المغربي إلى العالم.

ومن بين الكتّاب الأمريكيين الذين عرفتهم طنجة وعرفوها، أعتقد أن بول بولز كان أكثر من ساهم في إعطاء صورة حقيقية للمغرب وللمدينة، مختلفة عن صور الشقاء والكيف. لكنه في الوقت نفسه سقط في ذلك الإغراء. أي البحث عن المجتمع السفلي في طنجة بسبب غناه بالدراما والصور المثيرة وصور العنف والبطالة.

لم يخطر لي من قبل أن محمد شكري ربما تأثر بأسلوب بول بولز، لأن شكري لم يكن ملما بالعربية! ترى النسق السردي واحدا عند الرجلين. وإيقاع السرد المباشر والمجرد واحدا أيضا. هل هي مجرد مصادفة؟ هل كان أسلوب شكري أسلوبه وحده؟.

كتاب «مائة جمل في فناء الدار» (1962) لبولز مجموعة قصص قصيرة مكتظة بأشخاص من عند شكري في «الشطار» و«الخبز الحافي». سياسي الحشيش، وفتيات الفنادق البائسة، والشبان الذين بلا عمل أو هدف، والصديق الذي يشتري حذاء مستعملا ليخرج به إلى مقهى الرفاق، والغرف الضيقة، وندوب المشاجرات، وظلام الأزقة، والتائهة القادمة من مكناس، والشعوذة التي ترمي خصومها بالسحر، ورجل الشرطة الذي يطارد الجميع.

لا يمكن القول إن بولز اختلق صورا غير حقيقية، لكنه أيضا لم يبحث عن صور مضيئة من حوله. ولا بحث عن جمال في التقاليد أو جماليات في الحياة. ربما أشغله عن ذلك حبه للدراما، أما محمد شكري فلم يكن في عالمه سوى الشقاء. فوق الفقر والتشرد، أب بالغ القسوة لا يكف عن ضرب الأم وجميع الأبناء. وهو الأب نفسه في معظم الروايات، أو حتى المذكرات، كما في يوميات أناييس نين، التي تروي أن والدها كان يلاحقها بنظراته طوال النهار منتظرا أن تأتي أي هفوة لكي يبدأ بالصراخ والشتائم. لم يغفر شكري لأبيه. ولم يغفر لبؤسه أو رفاقه أو تشرد المقابر ورمال الشاطئ ومقاهي العاطلين. لكن بولز لا علاقة له بأبطاله، ليسوا رفاقه ولا عالمه، لقد استعارهم من حكايات الزوايا المعتمة والمقاهي الناعسة.

وفي أي حال هذه طنجة السابقة، الماضية. لن يتمكن بولز أو شكري من التعرف إليها اليوم. لم يعد الفقر فقيرا إلى تلك الدرجة. والساعات المهربة تباع بأناقة أمام المطاعم، وليس كما باعها محمد شكري على الشاطئ بعد سرقتها من البحارة الزائرين.

“الشرق الأوسط”
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث