الفزاعة الرئاسية

الفزاعة الرئاسية

تاج الدين عبد الحق

دور الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في فترته الرئاسية الرابعة، أقرب لدور الفزاعة التي ينصبها المزارعون قبيل موسم الحصاد، لحراسة وحماية محاصيلهم، من لص عابر أو طائر مهاجر. والصورة التي ظهر بها وهو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية، تؤكد أن الرئيس العجوز، كان الدواء المر الذي اتفق عليه المتصارعون خلف الستار، لمنع انفجارالخلافات المستعرة بينهم، وتجنب دوامة عنف جديدة، أقسى وأعتى من سابقاتها.

اختيار بوتفليقة بالشكل الذي جرى به، وبالصوره التي ظهر فيها أمام الشاشات وهو يدلي بصوته من على كرسي متحرك، هو نوع من شراء الوقت اللازم لاتفاق الافرقاء على رئيس دائم، أوبديل مناسب، وبالتالي فإن الدورة الرئاسية الجديدة في الجزائر هي مرحلة انتقالية، تسمح للقيادات داخل المؤسسة الحاكمة سواء العسكرية أو الحزبية، بحسم خلافاتهم، والاتفاق على بديل مقبول قادر على مواصلة الامساك بخيوط اللعبة السياسية، ومتابعة مشاغلة الخصوم بما يعرف بمسيرة الوئام، التي فتحت للمعارضة المدجنة مجال العمل السياسي، دون أن يعني ذلك القبول باقتسام السلطة معهما، أو مشاركتها بمغانمها.

رئاسة بوتفليقة، قد لا تستمر خمس سنوات. وحتى لو استمرت فإنه لن يكون حاكما فعليا، بل واجهة، تملأ الفراغ الرئاسي من جهة، و تخفي وراءها الصراع الدائر في كواليس الجبهة الحزبية، والمؤسسة العسكرية الحاكمة من جهة ثانية.

والسيناريو الموضوع للفترة الرئاسية الجديدة هو أن يختار الرئيس بوتفليقة نائبا له، يكون موضع توافق بين قيادات جبهة التحرير الجزائرية الحاكمة، على أن يبدأ تأهيله كرئيس فعلي، إما لباقي فترة الرئاسة، أو كرئيس في حال شغور المنصب، أو اختياره كمرشح للرئاسة في حال جرت إنتخابات مبكرة أو جديدة.

المشكلة أن اختيار نائب للرئيس قد لا يكون سهلا، وإلا لكان هناك اتفاق على مرشح رئاسة أكثر فتوة من بوتفليقة، وأنسب صحيا للقيام باعباء وواجبات المنصب.

الطامحون لمنصب نائب الرئيس، ولخلافة بوتفليقة كثر لكنهم بحاجة لتزكية الحرس القديم ، الذي لا يزال يحتكر القرار داخل حزب جبهة التحرير ولم يسمح بتجديد قيادات الحزب وتطعيمها بقيادات شابه قادرة على مواجهة الاستحقاقات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تواجهها الجزائر.

من هنا فإن الانتخابات الرئاسية كانت فصلا تمهيديا للانتخابات الحقيقية التي تجري داخل الحزب الحاكم، والتي سيتحدد على اساسها الطريق الذي ستسلكة البلاد بعد بوتفليقة.

الجزائر التي تجنبت فصل الربيع العربي، وحصنت نفسها من تداعيات ما يحصل في دول الجوار، تعيش اليوم مرحلة حساسة في تاريخها، وتحتاج للتغير الذي يحفظ لها فرصة استمرار الوئام. فإذا لم يتفق الحزب الحاكم على قيادة جديدة للحزب تهيء لما بعد بوتفليقة وغيره من قيادات الحرس القديم، فإنهم سيجدون انفسهم في مواجهة الخصوم الآخرين الذين يملكون معطيات كثيرة تمكنهم من تجييش معارضة قد لا تظل معارضة سلمية، خاصة في ضوء ما تمتلكة بعض اطراف المعارضة من تجربة عنيفة، وفي ضوء التحول الذي تشهده دول الجوار التي أصبحت معها بؤرا جديدة لتفريخ العنف، وتصديره عبر الحدود.

الرئيس بوتفليقة الذي كان جزءا من المشهد السياسي الجزائري منذ حرب التحرير في الخمسينات وحتى منتصف السبعينات، والذي قاد مسيرة وفاق ووئام ناجحة نسبيا في سنوات حكمه الطويل، يكتب اليوم الفصل الأخير في مسيرته السياسية الحافلة، فإذا نجح في نقل الجزائر من حكم يكون الاشخاص فيه هم البوصلة التي توجه المسار، إلى حكم تكون فيه المؤسسات قاعدة التغيير والتحديث، يكون قد وضع اسمه في تاريخ الجزائر كزعيم عاصر مراحل تاريخية عديدة، ونقل بلاده من حكم الاشخاص إلى حكم المؤسسات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث