الانتخابات الوراثية

في الدول التي يكون فيها العمل السياسي محكوم ببعد واحد، ومنهج ثابت، وايدولوجية محددة، يكون هدف الانتخابات تغييرالأشخاص وتبادل الأدوار لا التعبير عن السياسات، فإرادة الناس لا تقرر أو تختار، بل توظف في مشهد إنتخابي هدفه الدعايه لا أكثر.

الانتخابات الوراثية

تاج الدين عبد الحق بين أولئك الذين ينظرون لإنتخابات الرئاسة الإيرانية على أنها مسرحية مملة ومكررة، وبين من يتابعها كما لو كانت نقطة  تحول تأخذ ايران إما لمزيد من التشدد الذي يزيد المتاعب ، أو لإنفتاح  يشَرع النوافذ،  ويفتح الأبواب،  فإن هذه الانتخابات  تظل وسيلة لقراءة توازنات القوة، وتوجهاتها  داخل المؤسسة  الإيرانية الحاكمة،  بشقيها الديني والسياسي، وهي توازنات لا تنعكس بالضرورة على حياة الإيرانيين، أو تسهم في تغيير ظروفهم.  ففي الدول التي يكون فيها للعمل السياسي بعد واحد، ومنهج ثابت،  وأيدولوجية محددة،  يصبح التغيير المنتظر،  تغيير أشخاص، وتبادل أدوار،  لاتغيير سياسات، فإرادة الناس لا تقرر، أو تختار،  بقدر ما يجرى توظيفها في مشهد انتخابي،  ولهدف دعائي،  يجمل وجه النظام،  وتجهض من خلاله أصوات الإعتراض .  وإيران في هذا ليست حالة فريدة، فهي سنة معروفة، في كل الدول المحكومة بأيدولوجية سياسية،  أو فكرية نخبوية فرضتها  القوة، أوسادت  بفعل  ظرف طاريء،  أو حالة عابرة . وبعيدا عن الأمثلة الصارخة التي جعلت من الانتخابات،  مسرحية هابطة نصا وإخراجا وتمثيلا، كما هو حال الجمهوريات التي تتوارث الحكم بصورة تفوق في فجاجتها طقوس  التوارث في الملكيات العريقة، فإن الانتخابات خلال الحقبة السوفياتية من الأمثلة التي كانت تعبر  عن  صراع  مراكز القوى في صفوف النخبة الحاكمة آنذاك، حيث كانت تلك الانتخابات  في نتائجها  ومخرجاتها،  تتوج إنقلاب يجري في الكواليس، والغرف المغلقة،  بعيدا عن الأضواء،  وبترتيب من الأجهزة الأمنية والحزبية المتصارعة. هذا الأمر حدث أيضا في الصين في مرحلة ما بعد ماوتسي تونج وشوين لاي، حيث ظل تلُمُس التغيير فيها يعتمد على ظهور هذه الشخصية أو غيابها  عن إحتفال حزبي، أو مناسبة رسمية. ومع أن الحال تبدلت كثيرا في البلدين الشيوعيين، وأصبحت فيهما مساحة نسبية من الحرية والممارسة الديمقراطية، فإن آثار الحقبة الماضية لا تزال ماثلة في سلوك النخبة السياسية هناك، ففي روسيا على سبيل المثال توظف الأجهزة الأمنية، التي خرج منها الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين،  الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بشكل كاركاتوري يتناوب فيه رئيسا الدولة والحكومة  المناصب الرفيعة،  ويقتسمان السلطة، منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما، وسط توقعات بأن تستمر هذه اللعبة لعقد أو عقدين قادمين. طبعا لن نستثني الانتخابات العربية التي كانت هي الأخرى من النماذج التي زورت فيها إردة الناس، ومسخت إختياراتهم،  بحيث كانت بين أشخاص تعاقبوا على الحكم، وتوارثوه عن أبائهم جيلا بعد جيل. في إيران تختلف الطقوس، فمرشحو الرئاسة، رغم أنهم من لون سياسي واحد، فهم  يحتاجون لموافقة مسبقة لخوض الانتخابات، حيث ُيرفع الفيتو في وجه كل من تتعارض توجهاته مع توجهات،  ورغبات  السلطة الدينية،  التي تشكل المرجعية الأعلى للحكم،  وهو ما يعني إقصاء كل القوى السياسية والحزبية التي تتواجد أو يمكن أن تتواجد على الساحة الايرانية. وحتى بين أولئك الذين يحظون بقبول ما يعرف بلجنة صيانة الدستور، فإن الخلافات بينهم لاتكاد تذكر خاصة في مسائل حساسة يمكن أن تؤثر على حياة الإيرانين وتصلح من حالهم. بل يصل الأمر حد التدخل في الحملات الانتخابية لإقصاء مرشح تجاوز الحدود التي رسمت له، أو دعم مرشح يحظى بالقبول والتأييد من مرجعية الحكم وسلطته النافذة.  وهو ما حدث فعلا في الانتخابات الماضية، وما يحدث في الانتخابات الحالية.وأكثر من ذلك فإن الانتخابات، حتى في ظل هذه القيود،  لا تكون فيصلا نهائيا يسمح للمرشح الفائز بحرية الحركة، فأي خروج عن الخط المرسوم  حتى بعد إنتخاب الرئيس، يعرض من تم إنتخابه للاقصاء والعزل بل والمطاردة والقتل،  وإسألوا  في ذلك أبو الحسن بني صدر، إذا استطعتم الوصول إليه .  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث