الغرب والإخوان.. لماذا يدعمونهم؟

الغرب والإخوان.. لماذا يدعمونهم؟

إميل أمين

ضمن الأسئلة العديدة التي تصاعدت في سماوات الفكر لاسيما منذ انطلاق ما عرف بثورات الربيع العربي، كان ذاك المتعلق بالعلاقة بين جماعات الإسلام السياسي على كافة أشكالها وألوانها وبين عواصم غربية عديدة مثل واشنطن وباريس ونيويورك، ولماذا تدعم تلك العواصم حركات كانت تراها من قبل إرهابية وتمثل خطورة على الأمن القومي لتلك الدول.

من بين أهم الكتب التي صدرت مؤخرا وتقدم رؤية متميزة لهذه العلاقة الجدلية الإشكالية بين الغرب وبين الأصولية السياسية الإسلامية يأتي كتاب المفكر والفيلسوف التونسي “ميزري حداد” وعنوانه “الوجه المخفي للثورة التونسية.. الأصولية والغرب .. تحالف محفوف بالمخاطر الكبرى”.

يشير ميزري في كتابه إلى التناقض الأخلاقي الغربي الواضح والفاضح بين مرحلة وأخرى، وشاهده في ذلك المفكر الفرنسي الشهير “اوليفييه روا” الذي يخبرنا بأنه في الماضي كان يستحيل علينا أن نشرب فنجان قهوة مع أي قائد من قادة حركة النهضة التونسية سواء أكان الغنوشي أم سواه.

أما الآن فأصبح الغنوشي يستقبل بكل سرور في أروقة وزارة الخارجية الفرنسية وتحت الثريات والأضواء اللامعة، وكذلك يستقبل في واشنطن بكل حفاوة وترحيب تمهيدا لتدجينه وتطويعه، كما يفعل الغرب عادة مع الذين لهم مستقبل أو ثقل سياسي.

الرياء والنفاق الغربي تجلى في مشاهد وزراء خارجية الغرب الذين لم يعودوا يحلفون إلا باسم الإخوان المسلمين، وأصبحوا يشيدون، ليل نهار، بمزايا “الإسلام المعتدل”.

وقد وصل الأمر بـ ” آلان جوبيه ” وزير الخارجية الفرنسي إلى حد أنه قال لقادة الحركات الإسلامية الذين جمعهم في معهد العالم العربي بباريس: “فاجئونا نفاجئكم بمعنى: اعتدلوا أكثر فأكثر واستمعوا إلى وصايانا تجدوا ما يسركم، سوف نتخلى عن الأنظمة فورا من أجل سواد عيونكم وسوف تحكمون العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه مشرقا ومغربا.. ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

ما الذي دفع الغرب إلى اتخاذ هذا الموقف غير المتوقع وتغيير إستراتيجيته 180 درجة؟ هكذا يتساءل المفكر السوري “هاشم صالح” في كتابه الجديد “الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ”، والجواب عنده لا يخرج عن شيء من اثنين وربما الاثنان معا: البراجماتية السياسية ونزعة الجشع التجارية.

جواب هاشم صالح يتسق وطبيعة تفكيره الفلسفي العميق ودراساته المعمقة في النقد والأخلاق وفلسفات الشعوب، ولهذا يذكرنا بالصفة المهيمنة على السماوات السياسية الأمريكية أي الفلسفة الذرائعية البراغماتية والتي تمثل رد فعل على الفلسفة المثالية الأخلاقية لايمانويل كانط.

فلسفة ويليام جيمس البراغماتية يمكن بلورتها في عبارة شهيرة واحدة: الأفكار ليست صحيحة أو خاطئة بل هي مفيدة أو غير مفيدة، عملية أو غير عملية، فعالة أو غير فعالة.. فإذا كان السياق التاريخي العربي الحالي يفرض علينا التعاون مع الإخوان المسلمين إذا كانوا هم الذين يمثلون الثقل الشعبي وإذا كانت مصلحتنا تقتضي ذلك فلم لا؟ صحيح إننا لا نحبهم، ولكن المصلحة العملية تفرض ذلك. لا ريب أن هذا الموقف مضاد لقناعاتنا أو لميولنا الطبيعية ولكن ينبغي ألا نكون مثاليين أكثر من اللزوم، ينبغي أن نكون براجماتيين.

هل بدأت البراغماتية الغربية تنقلب سريعا على جماعة الإخوان الإسلام السياسي بعد أن باتت الشعوب العربية رافضة لها؟

شيء ما من الذي يجري في بريطانيا وأمريكا يمكن أن يكون بداية أو طرف لخيط حقيقي في هذا الإطار أو العكس.

ففي بلاد الإمبراطورية التي غربت عنها الشمس نجد دافيد كاميرون يطالب بتحقيق ومراجعة شاملة لحال ومال الإخوان المسلمين هناك، وهل لهم علاقة بالعنف الحادث في مصر على سبيل المثال أم لا؟.

وفي واشنطن وجدنا تصنيف لجماعة أنصار بيت المقدس بوصفها جماعة إرهابية.

هل نحن بإزاء جولة ثانية من جولات الخداع البراغماتي الغربي بعد أن ارتفع صوت الشعوب العربية رافضة للأصولية الإسلامية؟

أغلب الظن أن حال الغرب يصدق فيه القول: “لهم عيون ولا يبصرون وآذان ولا يسمعون”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث