حصان طروادة الإسرائيلي

حصان طروادة الإسرائيلي
المصدر: تاج الدين عبد الحق

إما أنهم غير مؤمنين، ولم يسمعوا بالحديث الشريف “لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين”، وإما أن جلدهم تَمْسَحَ من كثرة اللدغ، فلم يعد اللدغ يخيفهم، أو يثنيهم عن المضي في متاهة المفاوضات، والتوغل في دروبها، بنفس الأسماء ونفس الوسائل وبذات المسميات.

منذ عقدين ونيف من الزمن البطيء، وضعت اتفاقيات أوسلو، طيبة الذكر، المقاومة على الرف، وجعلت من التفاوض الخيار الأوحد للفلسطينيين، فيما فتح الباب على مصراعيه أمام الاسرائيليين لتكريس الاحتلال واستمراره عاما بعد عام، وتعميقه على الدوام، بالمزيد من المستوطنات، والمستوطنين.

منذ ذلك الوقت والمفاوض الفلسطيني ، لا يكل ولا يمل ، من جولة مفاوضات إلى أخرى ، في مارثون لا نهائي. فما إن يعلن عن أن جولة مفاوضات في سبيلها للفشل، حتى يعلن على الفور، وعلى شكل سباق التتابع، عن جولة جديدة بعناوين مختلفة، وشروط ومبررات أخرى. وفي كل مرة كان يقال إن مفاوضات هذه الجولة هي الفرصة الأخيرة، وعاقبة فشلها الويل والثبور وعظائم الأمور.

اليوم يتكرر السيناريو حيث تلوح في الأفق بوادر فشل الجولة الجديدة من المفاوضات التي رعاها وأشرف عليها جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، والتي أحيطت بهالة من السرية والتضخيم، أين منها جولات واي ريفر وكامب ديفيد وغيرها من المسميات التي انتهت بعد مسيرة طويلة ومعقدة، إلى نقطة البداية .

ما الذي حققته المفاوضات حتى الآن؟

سؤال نطرحه من وحي الفشل الجديد الذي بدأت تلوح نذره، مع انتهاء الجدول الزمني لجولة المفاوضات الحالية، رغم أننا لا نملك معلومات كافية عما تم في المفاوضات وما الأسباب التي كانت وراء الفشل المنتظر؟.

فراعي المفاوضات الأمريكي أمر الأطراف بالتزام الصمت وعدم تسريب ما دار ويدور فيها، لكن التصريح الذي أدلى به رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بشأن تلكؤ إسرائيل في إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينين الذين تم الاتفاق على إطلاقهم كجزء من صفقة مفاوضات الجولة الحالية، يشي بالمدى الذي حققته تلك المفاوضات، وحجم التقزيم لأهدافها ونوعية الشريك الذي نتعامل معه، وطبيعة الأمل الذي نرتجيه منها.

الشريك الأمريكي سارع إلى تلقف ما آلت إليه قضية الإفراج عن الأسرى، والتي هي في الأساس خطوة هامشية نسبيا، في جدول مفاوضات مزدحم بالقضايا الجوهرية والمعقدة، وهي في ميزان التفاوض ليست أكثر من تعبير عن حسن النوايا، وهي بهذا التصنيف، ليست جزءا من قضايا التسوية بقدر ما هي بعض من تداعيات الاحتلال ونتائجه.

ويبدو أن هذا التلقف هو البداية لجعلها محور جولة المفاوضات القادمة، ولا نستبعد في ضوء ما تناله من تغطية إعلامية وجدل في الأوساط الاسرائيلية والفلسطينية، أن يصبح الافراج عن عدد محدود من الأسرى هو ورقة المساومة للترتيب للجولة المقبلة، تماما كما كان إيقاف الاستيطان لفترة المفاوضات هو الشرط الأقصى الذي وضعه المفاوض الفلسطيني لقبول الانخراط في جولة المفاوضات الأخيرة.

نعلم أن المفاوض الفلسطيني لا يملك خيارات كثيرة أمام صلف وتعنت المفاوض الاسرائيلي . لكننا نعلم أيضا أنه لا يفاوض من فراغ، وإلا لما كان هناك من يعيره الاهتمام أو يكترث به.

المفاوض الفلسطيني، بالرغم من حالة الضعف التي يعاني منها سياسيا واقتصاديا، لديه فرصة لتصحيح المسار. فما ربحه المفاوض الفلسطيني من المفاوضات التي استمرت أكثر من 20 عاما لم يغير من واقع الاحتلال شيئا، بل إن هذه المفاوضات أعفت المحتل من كلفة احتلاله للأرض، ووفرت من خلال الترتيبات الناتجة عنها، مصادر تمويل خارجية لهذا الاحتلال، وذلك من خلال برامج المساعدات الأوروبية والأمريكية، فيما استخدمت الموارد التي توفرت بسبب تلك الترتيبات، لبناء مزيد من المستوطنات وإسكان مزيد من المستوطنين.

السلطة الوطنية الفلسطينية، بواقعها الراهن وطريقتها في التعاطي مع قضية المفاوضات، أصبحت أشبه بحصان طروادة، الذي يخبيء في جوفه المشاريع والمخططات التي رسمتها إسرائيل، لتقطيع فترة المفاوضات والتي أعلنت منذ مؤتمر مدريد عام 1990 وبالفم الملآن لاسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ورئيس وفدها لذلك المؤتمر، أنها ستستمر عشرات السنين، وهو ما يتحقق الآن بعد أن مضى على مسيرة التفاوض قرابة ربع قرن دون أن تغادر مربعها الأول .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث