رجاء.. لا تبتسم

رجاء.. لا تبتسم
المصدر: سمير عطا الله

تتوقف عند مئات الأشياء في رسائل سفيتلانا ستالين إلى الكاتب نيكولاس طومسون. تسمح لي المساحة بانتقاء أمرين: الأول، وصفها لانطباعها الأول عن أميركا “الأرض وسيعة والناس تبتسم”. والثاني وصفها النظام الشيوعي “لا يمكن العيش في ظل نظام يمد يدا لكي يطول بها القمر، ويحفر بالأخرى لزرع البطاطا، كما كان يفعل قبل مائة عام”.

مما لا يمكن أن أنساه في رحلتي إلى موسكو عام 1972، أنني كنت في فندق “متروبول”، لكن لم يكن فيه مكتب لحجوزات السفر، وكان عليك أن تذهب إلى فندق “أوكرانيا” البالغ الفخامة، ومثل الـ “متروبول”، إحدى علامات العاصمة التاريخية. وجدت خلف طاولة الحجز فتاة جميلة حنطية الشعر، وممتلئة مثل جميع الرفيقات. ألقيت عليها التحية ضاحكا، من أجل السفر لا من أجل الشعر الحنطي، وفوجئت، بل ذُعرت، عندما تطلعت بي الرفيقة سائلة: “ما الذي يُضحكك”؟ كانت تلك أول وآخر مرة أسمع فيها سؤالا من هذا النوع.

الجولات التي قمت بها في أوروبا الشرقية تلك المرحلة، كان يصعب عليّ أن أعرف في أي عصر أنا، كما لاحظ المؤرخ بيل برايسون. فقد كانت العاصمة البلغارية صوفيا، مثلا، خالية من السيارات، مثل قرية. وكان الفندق الرئيسي خاليا إلا من زملائنا في الوفد. وسرني مشهد الطبّاخين والعاملين يملأون البهو، لكي يتابعوا على جهاز التلفزيون الوحيد في الفندق، مباراة في كرة القدم.

الجهاز يُشير إلى أنك في عصر التلفزيون. لكن البرامج تبلبل الانطباع. برامج وأفلام عن الفلاحة وصور متكررة للرفيق الأول تيودور جيفكوف. وعدا ذلك فليس في صوفيا من حركة سوى حرس نصب الجندي المجهول، بثيابهم الزرقاء الباهتة، يروحون ويجيئون ويؤدّون التحية بالبنادق ذات السيوف. ولا شك في أنهم يهتفون في صمت تحية للزعيم جيفكوف، بالروح بالدم. كان الجميع اشتراكيين في بلغاريا إلا الزعيم جيفكوف، فقد تبين أنه شريك للبريطاني السيئ الصيت روبرت ماكسويل. وكان في صوفيا “مول” ضخم يدعى “تسوم” مؤلف من خمسة أدوار، فارغ حتى من الفضوليين أو المتنزهين، وأحدث البضاعات المعروضة فيه مصنّعة قبل أربعين عاما. أي كان يمكنك أن تشتريها على أنها “أنتيكا” غالية السعر في أي بلد آخر. وعلى سيرة الـ “أنتيكا” فإن أولغا، ابنة سفيتلانا الأميركية، تعيش – تحت اسم آخر، هربا من كل الماضي – من مخزن صغير تبيع فيه الأشياء العتيقة والرخيصة الثمن.

ماذا تفضل، صوفيا الفارغة والهادئة، أم صوفيا اليوم، المليئة بالمافيا والفقر؟ موسكو الهادئة الآمنة أم موسكو المليئة بالمشردين والسكارى؟ أنا أفضل الدنمارك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث