عاهرة عزة سلطان وقسوة المجتمع المصرى

عاهرة عزة سلطان وقسوة المجتمع المصرى

حسام عبد القادر

أعرف عزة سلطان منذ سنوات وأعرف عنها جرأتها في كتاباتها، وأن لديها قلما أدبيا يرسم الكلمات بدقة وأنها تثير العديد من القضايا من خلال كتاباتها، إلا أننى لم أتوقع منها هذه الجرأة في روايتها الأخيرة “تدريبات على القسوة”، خاصة أن بها كم كبير من المشاهد الجنسية.

لقد قدمت عزة بطلة الرواية في شكل جرئ، عاهرة، ولكنها ترفض العمل من خلال وسيط، وتقوم باصطياد الرجال بنفسها، ولها فلسفة خاصة بها، ووجهة نظر في طريقة عملها وأسلوبها، وهي أيضا تدلي برأيها في كل ما يحدث من حولها وحولنا أيضا، وتفسره.

لقد قرأت العديد من الأعمال الأدبية التي تناولت شخصية العاهرة، وشاهدتها أيضا في السينما إلا أن عاهرة عزة سلطان تختلف اختلافا كبيرا عن أي عاهرة أخرى، تلك العاهرة المثقفة التي تقرأ لكبار الفلاسفة وتكتب النثر والشعر ورؤى مختلفة تجاه مجتمعها، بل إنها جعلت ثقافتها وكتاباتها أسلوبا لصيد الزبائن، بل إنها انتقدت الإخوان المسلمين لأنهم حاربوا البغاء في مصر، وصبت جام غضبها على حسن البنا لأنه ساوم النحاس باشا من أجل إلغاء بيوت الدعارة في مصر في مساومة سياسية تاريخية.

لا أعرف لماذا أعجبت ببطلة الرواية، وحزنت لوفاتها في النهاية، والبطلة لم تحاول أن تكون ضحية مثل أفلام السينما بل هي تنتقد ما يحدث في السينما بالفعل من جعل العاهرة ضحية المجتمع، وتضحك من هذا الأسلوب الذي يجعل المشاهد يتعاطف مع العاهرات.

شعرت بالكثير من الإسقاطات على واقعنا من خلال كلام وتصرفات تلك العاهرة، فنحن مجتمع مليء بالتناقضات، ونتصرف على أساس المظهر وليس الجوهر، وهو عيب رئيسي لا نستطيع التخلص منه، فهذا يرتاد المسجد فهو متدين، وهذا لا يصلي فهو مذنب، وتلك تلبس القصير والضيق فهى كافرة، وتلك ملتزمة –محجبة أو منقبة- فهي متدينة.

اتذكر مقولة قالها لي صديق يعيش في كندا، عندما دعاني للسفر والإقامة هناك، قائلا: “لتجعل أولادك يتعلمون الإسلام بشكل صحيح”، وعندما أبديت تعجبي من كلامه، قال لي: إنه منذ مجيئه إلى مصر ومعه أولاده، كل من حوله يكذبون، ويمارسون الكذب بشكل رئيسي في حياتهم، وعندما يشاهد أولاده التلفزيون يتعلمون ألفاظا خادشة للحياء وسلوكيات سلبية عديدة، وحتى في التعاملات اليومية فهي كلها متناقضة وبها مساحة كبيرة من الزيف والكذب، وكل هذا ليس موجودا في كندا، بل إن أولاده يتعلمون حفظ القرآن هناك.

مع الأسف هذا صحيح، وهو ما تحاول الرواية أن تقدمه من زيف في المجتمع، فالأسرة سعيدة بما تقدمه الابنة من أموال دون أن يسألوا عن المصدر، والأم تتغاضى عن ممارسات خاطئة من صديق الأب مع الابنة من أجل تزويجها، بينما الرجال يلهثون إليها من أجل المتعة مخدوعين في منظرها وما تضفيه على نفسها من شكل، والبطلة تتعجب من كل الناس الذين يمارسون العهر وهم شرفاء، لأنهم لا يتقاضون ثمنا مباشرا، بل ينهون مصالح أو يتلقون هدايا، أو ينهون عملية تجارية.. أليس كل هذا عهرا..

لا أعرف لماذا شعرت أن هذه العاهرة تمثل مصر، بكل تناقضاتها، فنحن نعيش في حالة زيف غير طبيعى، وكثير منا يعيش بعدة وجوه: وجه مع أسرته، وجه مع زملائه بالعمل، وجه مع جيرانه، وفي كل مناسبة يخرج بوجه جديد حسب ما تتراءى الأمور.

نحن نعيش في حالة من العهر المتكرر يوميا، من خلال سلوكيات خاطئة وعادات وموروثات غريبة، ورجال الدين تحولوا للسياسة والفنانين ولاعبي الكرة تحولوا لإعلاميين والساسة أصبحوا نجوم فضائيات، ولا أحد يقوم بعمله، وفي نفس الوقت يحرص الجميع على التغني بالفضيلة وبالأخلاق الحميدة التي أصبحت عملة نادرة صعب وجودها.

لا أعرف لماذا استخدمت عزة سلطان كلمة “قسوة” في عنوانها للرواية وجعلتها مصحوبة بالتدريب عليها، ولكني شعرت أيضا أننا كمجتمع نتدرب يوميا على استخدام القسوة في تعاملنا مع بعضنا البعض.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث