حتى محمود درويش..!!

حتى محمود درويش..!!

نظير مجلي

في زمن حكومة اسحق رابين، سنة 1992، شهدت إسرائيل انقلابا خفيا لا يكثرون الحديث عنه. لكن، خلال نقاش حصل لي هذا الاسبوع مع أحد الأدباء الإسرائيليين اليهود، اعتبره أهم حدث في تاريخ الدولة العبرية، بعد حدث أهميتها.

هو أديب متنور، يعتبر مناصرا للحق الفلسطيني ولعملية سلام حقيقية. منذ أن عرفته وهو لا يفوت مظاهرة او مهرجانا او أي نشاط احتجاجي على سياسة الاحتلال إلا ويشارك فيها. لكنه هذه المرة جاء محتجا على “حدث عربي”، فسأل: “هل صحيح أن كتب محمود درويش سحبت من معرض الكتاب في السعودية؟”. ثم سأل: لماذا لم تقم القيامة، في عالمكم العربي، احتجاجا” أيعقل أن يمر قرار كهذه بصمت؟”. وهنا راح يتحدث عن “الانقلاب الذي شهدته إسرائيل قبل 22 سنة”. وإذا هو يقصد القرار الذي صدر في وزارة المعارف الإسرائيلية بتغيير النهج المتعلق بالعرب، والأدب العربي والتاريخ العربي في المدارس اليهودية.

ففي حينه عين وزيرا للمعارف ممثل عن حزب “ميرتس” اليساري الصهيوني، في البداية شولميت الوني، التي اصطدمت مع قوى التطرف الديني فأقالها رابين وعين مكانها رفيقها في الحزب الكاتب والشاعر يوسي سريد. في ذلك الزمن كانت الوزارة الإسرائيلية تمنع تدريس أشعار محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم ومعين بسيسو وتمنع تدريس تاريخ العرب في القرن العشرين، حتى تتفادى تعليم تاريخ الشعب الفلسطيني والنكبة لأبنائنا وبناتنا، نحن الفلسطينيين الباقين في الوطن وخططوا لتهويدنا. وفشلوا طبعا.

ولكن عندما فحصنا أية فقرات في شعر هؤلاء الشعراء، وجدنا أن لجنة الاختيار تجاهلت كل القصائد التي تدخل في باب شعر المقاومة واختارت قصائد غرامية. ودارت يومها معركة طاحنة مع الحكومة ولا تزال. فتلاميذنا لا يتعرفون على نتاج شعرائهم الوطنيين في المدارس، بل من خلال الثقافة الذاتية. وهكذا ايضا تعرفنا على الأدباء والشعراء العرب.

من هنا، لم يكن سهلا علينا تلقي صدمة حظر كتب درويش وبسيسو وبدر شاكر السياب وغيرهم في السعودية. فمثل هذا الحظر يصلح لإسرائيل، التي ترى في نتاجه خطرا على احتلالها.

وحتى إسرائيل خجلت من نفسها وحاولت تصحيح الأمر، ولو بشكل منقوص. وقيام ما يسمى باسم ” هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بمصادرة 10 آلاف نسخة من 420 كتابا بدعوى أنها “تتضمن عبارات زندقة وكفر وإلحاد”، هو قرار غير معقول وغير منطقي ولا بد من معالجته بشكل حقيقي، ليس دفاعا عن هؤلاء الأدباء وما يمثلون فحسب، بل دفاعا عن السعودية.

فبالاضافة إلى كون هؤلاء المبدعين كنوزا للأدب وجزءا لا يتجزأ من حركة النضال ضد الاحتلال، هناك أسباب تتعلق بالسعودية نفسها تناقض القرار البائس بسحب الكتب.

فأولا، بعد سحب هذه الكتب كسبت سمعة وحظيت باهتمام زائد. فمن لم يسمع بها من قبل يسمع الآن ويهتم بمعرفة أسباب المنع فيبحث عنها ليقرأها. وثانيا، الحظر المذكور مثل أي تعتيم في عصرنا لا قيمة له. فنحن في عصر الفضاء المفتوح، كل نتاج أدبي أو شعري او فلسفي أو اي شيء آخر، متاح بلا حدود. كل ما تحتاجه هو “كبسة زر” في جهاز الحاسوب أو هاتفك الخليوي، فتقرأ ما تشاء.

لذلك فإن القرار بحظر الأدب هو ليس فقط قرارا ظلاميا، بل قليل الحكمة والذكاء أيضا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث