عزمي بشارة..!

عزمي بشارة..!

نظير مجلي

أعرف د.عزمي بشارة منذ أن كان فتى صغيرا. فنحن من جيل متقارب، و”أولاد بلدة واحدة” هي الناصرة، أكبر المدن العربية الفلسطينية في إسرائيل. وكنا رفيقين في خندق سياسي واحد، تربينا فيه على الكفاح ضد السلطة الإسرائيلية في ظروف حالكة. وقد اختلفنا وافترقت طريقنا كصديقين، رغم بقائنا في حركة سياسية واحدة، ومضت علينا سنوات طويلة من الخصام.

ثم ترك حركتنا وأقام حزبا خاصا به. ثم تحالفنا، فكانت تلك فرصة لإعادة اللقاء بيننا، هو زعيم سياسي وشريك في تحالف وأنا رئيس تحرير صحيفة الحزب الشريك. لكن طريقينا افترقا من جديد عندما فك الشراكة وحاول استبدالها بسياسة الاستبدال.

بيننا خلافات عميقة، في الفكر وفي السياسة وفي اسلوب العمل. قراره بالهرب من بلادنا، أو كما يسميه “النفي القهري”، كان بمثابة صدمة لنا. ولم نقبلها، رغم تفهمنا لدوافعها الإنسانية (الوضع الصحي). فنحن، الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل، نتميز عن بقية شرائح شعبنا الفلسطيني بأننا لم نبرح الوطن في أشد الأوقات العصيبة، زمن النكبة.

وعندما كنا “كالأيتام على مائدة اللئام”، خضنا معركة بقاء عسيرة، إذ فرضوا علينا حكما عسكريا شرسا وحاولوا تهويدنا وجربوا مخططا لإلغاء تعليم اللغة العربية في مدارسنا وفرضوا قيادات رجعية علينا تعمل في خدمة السلطات الإسرائيلية ومارسوا ضدنا سياسة تمييز عنصرية وأعدوا لنا عدة خطط ترحيل، ورغم ذلك صمدنا جيلا بعد جيل. وبقينا. وصحنا بلا توقف: “كُلّه إلا الرحيل”. ومع مشاريع لبرمان وأمثاله، ما زلنا نشعر بخطر مخططات الترحيل حتى اليوم. ونستعد دائما للتصدي لها.

واختلفنا مع الدكتور عزمي بشارة في مسار طويل. فلم نحب تقربه من نظام الأسد، ولم نحب انقلابه عليه. ولم نرتح لموقعه السياسي الجديد، في قطر، والدور الذي يؤديه لصالح السياسة القطرية، التي تثير جدلا واسعا وغضبا عارما لدى العديد من الدول والشعوب العربية.

وألحق بنا ضررا كبير عندما نقل ما تفعله قطر في العالم العربي إلى ساحة العمل السياسي عندنا، نحن فلسطينيي 48، فمن الدوحة تصدر اوامر لبعض الحركات عندنا لتطعن في القوى الوطنية. ورفيقة عزمي بشارة، عضو الكنيست حنين زعبي، ترشحت لرئاسة بلدية الناصرة بهدف اسقاط الشخصية الوطنية المعروف، رامز جرايسي.

وعندما منيت بهزيمة ساحقة (حصلت على 10% من الأصوات)، وقفت في صف واحد مع الحركة الاسلامية ومع حزب الليكود الحاكم في إسرائيل ونجحوا هذه المرة في إسقاط جرايسي. وحنين الزعبي، التي أقدمت على هذه الخطوة رغم معارضة مجموعة غير قليلة من حزبها، تنظر إلى عزمي بشارة كمعلم وأب روحي. والكثيرون لا يصدقون بأنها لم تأخذ الضوء الأخضر والأوراق الخضراء من “عاصمة العرب” الجديدة، الدوحة.

بكلمات أخرى، نحن على طرفي نقيض مع الدكتور عزمي بشارة. وننتقده بشدة على دوره وسياسته وأدائه. ولكم كنت أود لو أن هذا الرجل، ترك السياسة تماما وانصرف إلى ما كان يجيده في الماضي من فكر ودراسات وأن يتفرغ للأدب والثقافة، فهو يتقن كتابة الرواية والنقد الفلسفي. ويخفق أيما اخفاق في السياسة، لدرجة أنه حشر نفسه في مكان ضيق وغير مضمون.

إسرائيل تعلنه “هاربا من العدالة” والأردن تطلب منه أن لا يستقر فيها. ولا يستطيع السفر إلى أوروبا خوفا من الاعتقال الإسرائيلي. فقد هرب من سجن صغير ووضع نفسه في سجن كبير، أقفاصه الذهبية لا تمنع كونه مُثقلا بالأغلال.

ولكن، ما بين هذا النقد لعزمي بشارة وبين توجيه الاتهامات له بالخيانة، يوجد بون شاسع. فحتى لو كانت سياسته تخدم مصالح غير عربية، فإنني لا أرى من الصحيح اتهامه بالعداء. وعندما يوجه له الاتهام من قائد جهاز أمني كبير، يطالبه بمغادرة الخليج لأنه يطعن في امن دول وشعوب الخليج، فيصبح الاتهام خطيرا وتبعاته قد تكون خطيرة أكثر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث