سيبويه يتعلم من بيل غيتس

سيبويه يتعلم من بيل غيتس
المصدر: تاج الدين عبد الحق

أصغر منك بيوم، أعلم منك بسنة. هكذا يرد ابني الذي يصغرني بأربعة عقود وهو يحسم مناقشة حول موضوع من المواضيع التقنية، التي يرى أن معلوماتي فيها كمعلوماته ببحور الشعر وقواعد اللغة. ورغم مافي رده من استخفاف باللغة، واستهانة بأهميتها، إلا أن العبارة تلخص حال الخصام القائم بين اللغة من جهة والتقنية من جهة أخرى.

وللحق أن الخصام لم يبدأه الصغار . فمن باب أن الإنسان عدو ما يجهل، تمترس فريق من الكتاب وراء مقولة إن للكتابة بالقلم نكهة غير، وإن الوحي والالهام مرتبطان بالحبر والورق، وأن الكاتب يفقد قدرة التركيز على الفكرة المجردة ، عندما ينشغل بالتفكير بحركة أصابعه فوق لوحة المفاتيح. قالوا أيضا إن قراءة الصحيفة الورقية وتقليب صفحاتها له متعة لا تضاهيها كل ما في أجهزة الحاسوب من تنوع وإبهار، بل ذهب بعضهم إلى حد طباعة ما هو موجود في الكمبيوتر من مقالات وأبحاث على الورق، إمعانا في تفضيله القراءة التقليدية، على استخدام فأرة الكمبيوتر.

هذا التردد لم يعرفه الصغار، حسموا أمرهم مبكرا وذهبوا في رحلة الاكتشاف لمجاهل التكنولوجيا نحو عوالم بعيدة، اكتسبوا خلالها مهارات وقدرات لم يعد الكبار قادرين على مجاراتهم فيها . واضطروا في أحيان كثيرة للاستعانة بأولئك الصغار ، كمعلمين لتعلم أبجديات التعامل مع أجهزة الحاسوب ومع برامج الانترنت وطرق الوصول إلى عوالم من المعارف المخزنة بها، أو الوافدة إليها كل لحظة، فهذا الجيل، وكما يعبّر الباحث والمفكر الإيطالي أمبرتو إيكو، “خلق ليضغط زرا”، في إشارة إلى المهارات الفائقة التي يتمتع بها.

أذكر قبل ما يقرب من ربع قرن، أن صحيفة الإتحاد الاماراتية، نظمت بالتعاون مع صحيفة النهار اللبنانية، ورشة عمل حول التكنولوجيا الرقمية في العمل الصحفي . لم تكن قضية الإحلال واضحة كما هي الآن، ولم يكن هناك أي حديث جدي في ذلك الوقت المبكر عن انتهاء عصر الصحافة الورقية .

كانت الكلمة الرئيسية في الورشة للمرحوم جبران غسان التويني الذي كان قد ترأس للتو صحيفة النهار خلفا لوالده ، يومها اختصر التويني أبعاد المواجهة، التي تنتظر الصحف بالقول إنها ستحسم لصالح التقنيات الجديدة عندما نتخلى عن ” عبارة بقلم إلى عبارة بأنامل “، أي التخلي عن استخدام القلم في الكتابة واعتماد لوحة مفاتيح الحاسوب كوسيلة للكتابة “، وأضاف موضحا أن مثل هذا التحول يعني في العمق كسر حاجز الخوف والغربة عن التكنولوجيا وجعلها جزءا من الحياة اليومية.

اليوم تبدو المقارنة بين القلم ولوحة المفاتيح نوعا من المكابرة، بعد أن أصبح الحاسوب جزءا أصيلا من حياتنا، وبات الجميع مضطرا، أو منساقا، للتعامل مع التكنولوجيا الرقمية، بكل اشكالها، وأدواتها . لكن الجدل يستمر لكن تحت عناوين أخرى، إذ يبدو أن الكبار الذين التحقوا بالقطار في محطة متأخرة، فوجئوا بالثمن الباهظ الذي دفعته اللغة ثمنا للانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية. ففي زحمة التطور الواسع في مهارات استخدام الحاسوب، أصبح الاهتمام باللغة أمرا ثانويا، بل نشأت على هامش هذا الانتشار لغة جديدة برموز جديدة لا يعرف معظمها إلا الأجيال الجديدة.

وبسبب ضعف المهارات التقنية لحراس اللغة، وحماتها ، استفحل الخطر بحيث بدا أن أي محاولة لوقف التدهور في اللغة وعدم الاهتمام المتزايد بقواعدها النحوية والإملائية، هو نوع من السباحة بعكس التيار ونوع من المقاومة للحداثة.

وبسبب هذه الهوة القائمة بين التقنية المنفلتة من قيود اللغة، وبين اللغة التي لم تستطع مجاراة التقنية، نجد أنفسنا أمام مواجهة لا بين القديم والجديد، بل بين التكنولوجيا كعنصرتجديد وتحديث، واللغة كعنصر ومكون من مكونات الهوية الوطنية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث