الموتى يطرقون بابي

الموتى يطرقون بابي

محمد بركة

1- خالتي نادية

ثلاث درجات من سلم غير مريح تهبط بك إلى أسفل قبل أن تستقبلك صالة فسيحة، ظللت أتمشى في المكان الذي يشبه مخابئ المصريين من غارات الألمان في الحرب العالمية الثانية. وبينما أبحث عن مكان مناسب للجلوس، إذا بي وجهاً لوجه أمام مفاجأة عمري: خالتي نادية بوجهها المستدير الأبيض تتطلع لي. تملكني فيض من الفرحة رغم التساؤل العابر الذي طفا على أمواجي: لماذا تبدو مقتضبة للغاية في ترحيبها الآن وأنا الذي اعتدت منها على حفاوة الدنيا حين تستقبلني وتمطرني بقبلاتها وأحضانها؟

لم تكن بمفردها وهي تجهز أقراص العجين في صينية كبيرة أمامها استعداداً للخبيز في الفرن الفلاحي تساعدها ابنتاها هند ومنى. فجأة انبثق ثقب أسود هائل في سماء اللحظة ليمتص كل أشعة الفرح حين تذكرت أنها ماتت منذ سنوات بالمرض الذي تسميه أمي بـ “اللي ميتسماش” وأنني لم أودعها وهى على فراش غير نظيف بمستشفي حكومي بل أنى لم أمش في جنازتها….

عدت أحدق في وجهها وازداد يقينى أنه ليس سوى القمر ليلة اكتماله وبصوت مخنوق قلت ببطء وأنا أضغط على الحروف حتى لا تهرب:

ـ أنا بحبك قوي يا خالتي!

ارتبكتْ قليلاً ولم ترد بينما رحت في نوبة بكاء وحين صحوت من النوم كانت المخدة مُبللة بدموعي..

2- عمي إبراهيم

كنا كعادتنا القديمة في الأرياف، كلما ذهبنا إلى بلدة مجاورة في فرح أو مأتم اتخذنا من سيارة ربع نقل مخصصة للرمل والأسمنت والخضروات وسيلة مواصلات جماعية. أكبر رأسين في العائلة يجلسان بجوار السائق أما البقية فتتكدس في المقطورة. المدهش أن عمى إبراهيم, صاحب الأطيان واللسان اللاذع الصريح، لم يركب بجوار السائق رغم أنه الآن كبيرنا بعد رحيل عمي “مبروك”… كان لا يزال أحمر البشرة مثل انجليزي نشيط في شيخوخته. الشئ الوحيد الذي تغير فيه أنه أصبح يتوكأ على عصا أنيقة.

ـ ازيكم ؟

قالها موجهة لأعمامي وأبناءهم، أما أنا فتلاقت أعيننا في ومضة سريعة أهداني فيها تحية لم تكن حارة ولم تكن باردة:

ـ ازيك!

هكذا هو العم إبراهيم دائماً: يعشق الإيجاز والكلمات القليلة الحاسمة أما هذا الاختراع المسمى “مجاملات اجتماعية” فلم يسمع به قط. سأل أبى ذات مرة وهو عائد في أجازة عمل قصيرة من الرياض:

ـ يعنى الشغل هناك فيه ذل؟

ابتسم أبى وقال بهدوء:

ـ يا حاج… الرزق بيد المولى أما الكرامة فبيد الإنسان!

وصلنا إلى البلدة لكن هاتفاً ناداني أن أعود فوراً إلى حيث بدأنا الرحلة، عدت فإذا بعلبة صغيرة من الورق الملون ينبعث منها شعاع من الضوء الأبيض. ركضت مبهوراً وفتحتها. كانت مليئة بقطع من قوالب السكر المنحوتة على هيئة عرائس صغار. أيقنت أن مذاقها لا ينتمي إلى الأرض وإنما قادم رأساً من الفردوس الأعلى. أيقنت من هذا يقين الصديقين والنساك دون أن أتذوقها..

ولم أستغرب حين سألت وتأكدت أن أطفال العائلة يعشقون تلك القوالب الصغيرة وأن العم الزى رحل عن دنيانا منذ سنوات أراد أن يفتح شباكا صغيراً في السماء ويطل منه على أحبابه في الأرض.. الشئ الوحيد الذي أثار استغرابي: لماذا اختارني – أنا المدنس بالخطايا – لأنوب عنه في هذه المهمة؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث