الفزورة الأردنية

الفزورة الأردنية

تاج الدين عبد الحق

حال الأردن ، أشبة بالحزورة كما يقول الأردنيون ،أو الفزورة كما يقول غيرهم من الأشقاء العرب .

يتصرف اقتصاديا كما لو أنه دولة نفطية بالرغم من اعتماده الكلي على الخارج، لسد احتياجاته من الطاقة .

يستضيف أكثر من نصف مليون عامل من دول الجوار، رغم أن معدل البطالة فيه من أعلى المعدلات في العالم .

ينظر إليه كواحة آمنة ، رغم أن كل ما حوله يشي بالخطر ، ويبعث المخاوف.

لعب دورا تجاوز في بعض الأحيان دور الكبار المحيطين به ، لكنه لم يستطع تجاوز التاريخ والجغرافيا ، فظل دورا حتى وإن تسابق الآخرون في مراحل تاريخية لاسترضائه والتقرب منه.

لبس عباءة الاعتدال ،فيما كانت البضاعة الرائجة في المنطقة التطرف بكل أبعاده الأمنية والسياسية.

كان يطرح نفسه كدولة مواجهة تقف على أكبر خطوط التماس مع إسرائيل، العدو التاريخي للعرب ، في حين كان يراه كثير من أشقائه وأعدائه عمقا أمنيا لإسرائيل.

اليوم يتبدل المحيط ، تاركا الأردن أمام استحقاقات قد لا يكون قادرا عليها.

اقتصاديا تتزايد المديونية باستمرار لتقترب من 30 مليار دولار ، دون أن يكون البلد قادرا على توفير موارد كافية لسد عجز الموازنة ، ناهيك عن خدمة الدين المتراكم، وتوفير موارد للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

العمالة الوافدة التي كانت منذ سنوات عبئا ينوء الأردن بحمله ، تتفاقم اليوم بعد أن أضيف لها مئات الآلاف من الذين جاءوا لاجئين وتحولوا بطول المقام إلى جزء من المكون الاجتماعي والاقتصادي الأردني.

الواحة الآمنة ، ما عادت كذلك، بعد أن أصبحت على الطريق، بين القوى المتصارعة شمالا وجنوبا ، شرقا وغربا ، وبعد أن أصبحت قاعدة التخطيط، ومنطلق التنفيذ لكثير من الاجندات ، ولتصفية كثير من الحسابات.

لم يعد الأردن بمقاييس الاعتدال التاريخية هو المعتدل الوحيد ، فالمنطقة تمور بعشرات الواقفين في الطابور يعرضون بضاعتهم ويبدون الاستعداد لتقديم الخدمات الأمنية والسياسية، استرضاء للكبار ، أو طمعا في عطفهم .

الأردن لم يعد دولة مواجهة بعد أن وقع اتفاقية سلام مع إسرائيل ، وبعد أن دخلت الدول العربية تباعا في السلم، إما طائعة عبر اتفاقيات ومعاهدات ، أو مكرهة بعد أن تجردت من النووي والكيماوي، وكل ما يمكن أن يقض مضاجع من لا زالوا نظريا في قائمة الأعداء.

لم يعد أيضا حاجزا أمنيا بين إسرائيل وأعدائها العرب ، بعد أن تسابق العرب فرادى ومجتمعين لإزالة كل الحواجز بدءاً من الحاجز النفسي وانتهاء بحواجز المقاطعة.

مالذي يبقى لدى الأردن بعد ذلك لكي يحفظ لنفسه الدور الذي كان رأس ماله الحقيقي منذ قيامه وحتى الآن؟

هذا السؤال هو اليوم مبعث قلق لدى قطاع عريض من الأردنيين ، في وقت تنفجر في وجههم الأزمات من كل صوب.

أزمة اقتصادية طاحنة لا أحد يملك وصفة لتهدئة آثارها الاجتماعية والأمنية، ناهيك عن تقديم طريقة لعلاجها.

أزمة أمنية في وقت تتواتر فيه المعلومات عن اختراقات عاجلة للأمن الأردني ، أو تهديدات مؤجلة تطبخ على نار التوترات التي تجري في المحيط ، والتي تجد في الأردن اليوم مقرا لوجستيا ، أو معبر إمداد أو قاعدة تخطيط.

إسرائيل التي كانت تبدي حساسية شديدة تجاه أي دور يقرب الأردن من الجماعات المتطرفة ، تبدو وكأنها راضية على وقوع الأردن في براثن التطرف معتبرة أن ذلك لن يغير أو يبدل شيئا ، في أولوياتها الأمنية، بعد أن أصبحت قوى التطرف تحيطها، شمالا وجنوبا دون أن تكون مصدر تهديد حقيقي لها.

الذين كانوا يعتبرون إسرائيل من ضمانات استمرار الدور الأردني ، باتوا اليوم يتخوفون من أن تكون إسرائيل نفسها ، على وشك الانقلاب على هذا الدور ، إما ترويجا لفكرة الوطن البديل أو تهيئة لعلاج مشكلة اللاجئين على حسابه.

الشواهد تقول إن الأردن الذي اعتمد دائما على الخارج، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا ، بات اليوم في مرمى أزمات كبرى ليست من صنعه ، وأقوى من قدراته ، والأدهى من ذلك أن معاناته لم تعد موضع اهتمام الآخرين ، كما لم تعد من بين أولوياتهم كما كانت دائما.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث