أنا عاوزة أفنفن A FUN FUN

أنا عاوزة أفنفن A FUN FUN

محمد سناجلة

نسمع كثيرا جدا عن مصر وما يجري في مصر في وسائل الإعلام لكنا لم نكن نعرف الوضع على حقيقته من الداخل، وكنت دائما أتساءل عن مدى صدقية وسائل الإعلام في مصر والعالم العربي التي تنقل ما يجري في أرض الكنانة كل حسب وجهة نظرها…لكن… كي تعرف ما يجري في مصر عليك أن تكون في مصر، لهذا كنت أنتظر بفارغ الصبر زيارتي لهبة النيل.

أمضيت في مصر أسبوعا بأيامه ولياليه وكان كل همي أن أعرف الحقيقة أو على الأقل جزءا منها… البداية كانت من السائق (العم صالح) الذي أرسله أحد الأصدقاء ليقلني من المطار للفندق…الرجل الطيب ما إن سألته عما يجري في البلاد، حتى فاض في القول والشرح والتوضيح.. ابتدأ عم صالح في كيل عدد كبير من الإتهامات لجماعة الإخوان المسلمين و”الإجرام” الذي مارسوه بحق مصر والشعب المصري، وبعد ذلك بدأ في مدح وتقريض المشير السيسي الذي “أنقذ مصر من الإخوان”.

في هذه الأثناء لاحظت أن الشوارع ممتلئة بلافتات وصور المشير السيسي، ومكتوب عليها شعارات حماسية مثل “كمل جميلك” و”السيسي ده رئيسي” الخ الخ. السؤال الذي دار في ذهني: ما هذا؟ هل أصبحت الدولة المصرية منحازة لشخص رجل؟ وماذا عن المرشحين الآخرين للرئاسة؟!!

ملاحظة ثانية: الكم الكبير من اللافتات واللوحات التي تمتليء بها الشوارع المصرية يكلف مبالغ مالية طائلة وهذا قد يكون فعل الدولة وليس فعل أفراد، سألت العم صالح وبعد ذلك عددا كبيرا من الأصدقاء الذي أكدوا أن الحكومة لا دخل لها في هذه اللافتات المؤيدة للسيسي، من إذا؟ لا أحد يعرف لكن أحد الأصدقاء قال لي إنها من فعل عدد من رجال الأعمال المصريين. .. اوك.. هذا جزء أول من الحقيقة!

وصلنا لميدان التحرير وفجأة قفز شاب صغير السن وأخذ يرسم على زجاج السيارة صورة العلم المصري يتوسطه السيسي، شاب صغير آخر أطل علينا من النافذة الأخرى وهو يعرض علينا شراء بطاقات السيسي: البطاقة بجنيه يا بيه!

نظرت للبطاقة فوجدت مكتوبا عليها: الاسم: عبدالفتاح سعيد حسين السيسي، المهنة: منقذ مصر!

نفس السؤال من يقف خلف كل هذا؟ لا جواب!

قابلت عددا كبيرا جدا من المثقفين والصحفيين والكتاب ورجال الأعمال، وكان هناك اجماع شبه شامل على السيسي وكره شبه شامل أيضا للاخوان.. قلت في نفسي هذا لا يكفي يجب أن أنزل للشارع وأسأل الناس العاديين.

نزلت لقاع المدينة، الحسين والسيدة زينب وخان الخليلي وامبابة وحتى بولاق… ملاحظة أولى هو ازدياد عدد المتسولين أكثر بكثير من زيارتي الماضية قبل نحو سنتين.. ملاحظة ثانية بطاقات السيسي “منقذ مصر” في كل مكان، يبيعها أطفال بائسون واضح أنهم من ابناء العشوائيات.. أحد الأطفال هجم على الصديق تاج الدين عبدالحق بكل معنى كلمة هجوم، كان طفلا لا يزيد عمره عن ست سنوات، لكن طفل إيه..علق به وهو يطلب الحسنة وبدأ في الغزل بأبي إبراهيم: يا عسل انت.. يا جميل انت..ربنا يخليلك ولادك.. يا حبيبي انت عشرة جنيه يا بيه وربنا حيدخلك الجنة..

حاولنا التخلص منه لكن عبثا لزق بنا طول الوقت وهو يتغزل ويدعو ويتمحك..أبو ابراهيم أشفق على الولد وفعل “الممنوع تماما”، أعطى الولد عشرة جنيه وفجأة هب علينا الأطفال من كل حدب وصوب…. كان ورطة…نهرت أحد الاطفال فحدق في بحدة وقال: إنت بتاع مرسي يا له.. ما تسيبنا نترزق؟!

ملاحظة أخرى..مرسي ضد الرزق عند أولاد الشوارع!

كان التعب والإرهاق واضحين على وجوه الناس لكن كنت أرى لمعة أمل في زوايا العيون…

كنت أسال في الشوارع كل شخص نتكلم معه سواء كان طفلا أم بائعا أم جرسونا أم سائق تكسي، عن رأيه في الأوضاع وعن ما يريده… الإجابات كانت تقريبا واحدة.. مع السيسي وضد مرسي والإخوان لكن الأهم كان ما قاله بائع عجوز في الشارع..قال احنا عاوزين نعيش يا بيه… كانت معالم البؤس والحكمة أيضا بادية على تجاعيد وجهه، سألته إزاي؟ قال لي: مرسي وإلا السيسي مش مهم يا بيه احنا عاوزين نعيش!

سائق التاكسي الذي أخذنا من الحسين أكد نفس الشيء، قال ترون الشوارع خالية من السواح.. ما فيش حاجة..الناس عاوزة تشتغل وتعيش…الناس تعبت وشعبية السيسي دي سببها هو إنه الناس عاوزة الأمن والاستقرار حتى تعيش و”تنبسط”..

السيسي صار يمثل الأمل للجميع… الأمل في الأمن وتحقيق حياة كريمة… والناس عاوزة ايه.. عاوزة تعيش وتنبسط.. رأي هذا السائق اختصر مشهد الطبقات الفقيرة في مصر.

هذا لدى عامة الناس، لكن ماذا عن الطبقة المتوسطة (التي اضمحلت كثيرا خلال السنوات الماضية)… اختصر رأيها بجملة واحدة سمعتها من صديقة صحفية..قالت بالحرف الواحد… بلا سيسي بلا مرسي بلا إخوان بلا نيلة..أنا عاوزة أفنفن a fun fun…

ضحكت كثيرا للمصطلح الذي أسمعه للمرة الأولى… نعم الناس عاوزة تعيش وتنبسط وتفنفن… أليست الفنفنة عنوانا للشعب المصري الجميل الطيب… خلاص..بس بقه!!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث