النكتة السياسية

النكتة السياسية

يوسف ضمرة

لعل تعريف فرويد للنكتة يعد الأكثر عمقا ودقة، فهو يقول” إنها بمثابة الآلية النفسية الدفاعية التي تقوم في مواجهة العالم الخارجي المهدد للذات”.

هكذا يمكن أن نستوعب سر انتشار النكتة السياسية وشيوعها في الأزمات الحادة.. كالحال السياسية المتردية والاقتصاد البائس والفساد والبطالة والفقر وحتى في الحروب والفتن.

فليس غريبا أن تنتشر النكتة أمام مشاهد القتل والدمار والذبح والنحر والتكبير، لأن هذه وقائع صارت لازمة يومية، وجزءا من حياة المواطن العربي. هكذا يلجأ المرء إلى النكتة كدفاع عن الذات التي تصبح مستهدفة تماما في تكوينها الإنساني الذي يرفض كل ما يحدث.

وفي الآونة الأخيرة أدركنا كم تلعب النكتة من دور إيجابي في إبقاء الناس على قيد الحياة والأمل. إنها بمثابة حبة دواء تحت اللسان لتوسيع الشرايين منعا للجلطة أو انفجار الشرايين نفسها. لكن هذه الحبة تكفي المصاب فقط للوصول حيا إلى أقرب مستشفى، ولا تنقذه تماما.

فالمصريون الذين اقتاتوا على النكتة السياسية، وصلوا أحياء بها إلى بيوتهم وذويهم.. مرة واثنتين وعشرات المرات.. أقصد عشرات السنوات. ثم تبين لهم أن وجبات النكتة السياسية لم تكن تحوي فيتامينات الحياة الحقيقية، ولا ما يكفي من سعرات حرارية تلزم الفقراء والبسطاء في أعمال الشقاء اليومية.

النكتة الآن طالت كل ما هو حولنا.. الحراك العربي والقتل والذبح ورفع الأسعار وكل ما يحط من شأن الإنسان ويستخف بكرامته وقيمته. لكنها تظل مجرد وسيلة من وسائل مواجهة الحياة، وليست الوسيلة الوحيدة الكافية أو اللازمة.

لكن هذه النكتة تصبح فيما بعد مكوّنا رئيسا من مكونات ثقافة شعب ما. وهي تنمي الوعي الإنساني بما يحيط به وبما يمس حياته وقيمه الإنسانية النبيلة. وهي بذلك تشكل تراكما إيجابيا يدعو المرء إلى التفكير في ما يحدث له وفي الأسباب التي تقف وراء ما يحدث.

لا تقلل النكتة من حجم القهر أو القسوة التي تصيب الإنسان، بل تجعل من الإنسان أكبر وأكثر أهمية من الحوادث والوقائع واليوميات، حتى وهي تصيبه مباشرة أو غير مباشرة. إنها تقول له إنه الأقوى والأهم حين تقوم النكتة بالتقليل من حجم ما يقترفه الآخرون بحق الإنسان، أو السخرية منه. وبهذا تشكل النكتة نصا ثقافيا أساسيا في المجتمعات، وتعد وظيفته ـ وإن بالضحك ـ نقدية في المقام الرئيس. وهي في بنيتها تعتمد المفارقة والصدمة، وتعتمد تكنيكا قائما على الصدمة المضحكة، من خلال التقليل مما هو قائم أو تسخيفه أو ما شابه ذلك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث