تقديس النص وتقديس التفسير

تقديس النص وتقديس التفسير

تاج الدين عبد الحق

أهمية الحوار الدائر اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي حول الدور التخريبي الذي يلعبه بعض الدعاة في السعودية، لا تكمن في فضح ماقام به أولئك الدعاة من تضليل لقطاعات واسعة من الشباب، والزج بهم في أتون معارك وحروب، وتنظيمات إرهابية، بل في كونه يقوض حصانة نجوم الفتيا، الذين طالما فسروا الدين على هواهم وبما يتفق مع مخزون الجهل وضيق الأفق الذي يميزهم ويوجه فتاويهم .

ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها المستنيرون فضح الدور المدمر الذي لعبه بعض سماسرة الدين وتجاره، إلا أن الحوار هذه المرة مختلف لا من حيث المحتوى فقط بل من حيث الشكل أيضا.

فالذين تجرأوا في الماضي على مقارعة هذه الفئة من الدعاة، كانوا عكس هذه المرة حذرين في إنتقادهم، يتخيرون كلماتهم بعناية، ويستدركون كل عبارة ترد في نقدهم، بالكثير من المجاملة والاعتذار، وكأنهم يرتكبون إثما، أو يقدمون على معصية ، لا بسبب ضعف الحجة ، بل خشية من عقاب يبدأ بالتكفير أو بالتشهير وقد ينتهي بالقتل والسحل. أما اليوم فالأشياء تسمى بمسمياتها، والأشخاص يتهمون دون مواربة أو حصانة ، والقضايا تطرح بدون تحفظ أو تردد.

في الماضي لم يكن أمام المستنيرين فرصة مواجهة الحجة بالحجة، ولا رأيا برأي، ولم تكن المؤسسات الرسمية، والأجهزة البيروقراطية والاعلامية وحتى القضائية محايدة في تلك المواجهة ، إذ كثيرا ما كانت تخضع لإرهاب تلك الفئة من الدعاة، فتحتفي بهم، وتنتصر لهم خوفا منهم ، أو كفا لشرهم ، بالرغم من معرفتها اليقينية، بأن مواقفهم وفتاويهم ضالة ومضللة.

نذكر، هنا، ما تعرض له المفكر المصري المرحوم الدكتور نصر حامد أبو زيد ، الذي كفّره بعض الدعاة المدعين، لمجرد أنه تحدث عن الفارق بين تقديس النص وتقديس التفسير، معتبرا أن التزام المسلم هو التزام بالنص لا التزام بما قاله مفسرون، أومحدثون، مثلنا مثلهم يأكلون ويشربون ويمشون بالأسواق، وتثار حولهم شبهات وأقاويل ، أو تطال اجتهادهم وتفسيرهم بعض الأسباب التي تضعف من شرحهم وتفسيرهم أو تقلل من قيمته، وصدقيته.

كان ملخص ما قاله الرجل العالم، رحمه الله ، أن ما انتهى إليه المفسرون أو ما سينتهي إليه من يليهم، مهما علا شأنهم، ومهما بلغ علمهم، مرجعه العقل، الذي هو في الأساس ميزان علمهم وتفسيرهم، وأساس حجتهم ، وما دام العقل نعمة لم يخص الله بها جيلا دون جيل، فإن مسألة التفسير تظل مرهونة بالعقل البشري في كل زمان، وأن هذا التفسير قد يختلف من جيل إلى جيل ومن مفسر إلى آخر ما لم يكن هناك إفتئات على النص المحكم القاطع في ثبوته ودلالته، وما لم يحمل التفسير ، الحجة الواضحة التي تضمن له الديمومة والتجدد.

لم يسلم الدكتور ابوزيد، رغم ما في رأيه من موضوعية، وتواضع ، فتداعى عليه الجهلة من كل صوب تكفيرا وتشهيرا ، وتسابق البعض في إقامة دعاوى قضائية عليه ، وصلت حد دعوى للتفريق بينه وبين زوجته، بحجة أنه كافر مرتد ، ومات الرجل منفيا في غربة لم يعد منها إلا محمولا لمثواة الأخير .

ما واجهه نصر حامد أبو زيد واجهه بشكل آخر الروائي المصري العالمي نجيب محفوظ الذي تعرض قبل سنوات من وفاته إلى محاولة اغتيال بعد أن اتهم بالكفر بسبب رواية” أولاد حارتنا ” التي لم يكن من حاول اغتياله قد قرأ حرفا منها، أو سمع بها، علما أنها نشرت مسلسلة في جريدة الأهرام قبل سنوات عديدة من نشرها في كتاب.

نصر حامد أبو زيد ونجيب محفوظ جزء من قائمة طويلة من الأسماء والمواقف التي تم تكفيرها لأبسط الأسباب، وأتفه الغايات.

أهمية الخلاف الدائر مع دعاة هذا الزمان أنه يحرك المياة الراكدة، ويضع هذه الفئة في حجمها الصحيح ويعرّي دورها المدمر، كما أنه يهاجمها في عقر دارها بعد أن ظنت أنها بعيدة عن النقد، وفي ظل حماية لن تنحسر عنها أبدا .

ولو استطعنا أن نصل بهذه الحركة حد تنقية تلك المياه مما علق فيها من شوائب وأباطيل، فإننا قد نبرأ من خلافاتنا السياسية ومن تمزقنا الذي بدأ خلافا على تفسير الدين ليتحول مع الزمن إلى خلاف مزمن يطبع مختلف أوجه حياتنا، ولا زلنا نداوي تداعياته وأعراضه، بالأعشاب في حين أننا نعيش عصر الليزك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث