حدائق الدم

حدائق الدم

د.موفق محادين

فأما الحديقة الأولى، فهي ما يعرف في القاموس الأمريكي بالحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وهي الحديقة اللاتينية (أمريكا الجنوبية) التي ارتبطت أيضا ما يعرف أمريكيا بمبدأ مونرو الذي طارد الأوروبيين في تلك المنطقة وصولا إلى (فراغ) كانت واشنطن بانتظاره…

وأما الحديقة الثانية، فهي الحديقة الشرقية، ليس بتاريخها الجمالي المعروف، بل حديقة الشرق الأوسط التي ارتبطت أيضا بمبدأ أمريكي آخر هو مبدأ ايزنهاور، الذي طارد الأوروبيين هنا وصولا إلى فراغ آخر مماثل .

وبين النحاس والكوكا والمطاط في الحديقة الأولى، والنفط في الحديقة الثانية، سال دم كثير ولا يزال مشفوعا في كل مرة بأيديولوجيا تكفير ملائمة لإزاحة المنافسين الرأسماليين ولمطاردة اليسار الأحمر ودفع الروس عن المياه الدافئة.

وكانت البدايات في السلفادور وغواتيمالا، وكان السيناريو رباعي الدفع، عمليا للغاية، مما استدعى استنساخه وإعادة انتاجه هذه الأيام في الحديقة الثانية ومن المحيط إلى الخليج ، فمنهم من قضى ومنهم من ينتظر…

وبين أفكار نيغرو بونتي وروبرت فورد أينع العشب السام، وراح يحصد الملايين، فالسيناريو رباعي الدفع كان أكثر من وصفه دموية أيديولوجية موضعية، فقد استشرى من تلقاء نفسه.

عنصره الأول، فرق الموت المدربة على قطع الرؤوس وبقر البطون وتحويل الدم والقبح إلى مشهد عادي يومي.

وعنصره الثاني، أيديولوجيا الكراهية القابلة لانشطارات لا حصر لها في استدعاءات غير مسبوقة لمحاكم التفتيش الكاثوليكية.

وبدلا من الاندلسيين والمسيحيين المتنورين، نصبت المشانق واشهرت البلطات ضد اليسار اللاتيني واوقدت النيران في مساكن العمال وقرى الفلاحين الفقيرة.

العنصر الثالث، هو بضاعة ثقافية راجت في العصر الفكتوري ضد (الآخر) على اطلاقه وكان نصيب الشرق منه وافرا، فلا بأس في (المتروبولات) وثقافتها، كما لاحظ ادوارد سعيد، من شيطنة الشرق ابتداءً واشعال المحارق له مقدمة لاستعماره باسم التدين.

أما العنصر الرابع، ما يعرف بجماعات الانجؤز أو التمويل الأجنبي الذين يساهمون في تحضير المسرح للاساطيل الشقراء ولكن بخطاب ليبرالي أسماه احد دهاقنة المتروبولات (جوزيف ناي) بالقوة الناعمة.

وكما كانت روح الجنوب حاضرة ويقظة إزاء هؤلاء في أعمال ادوارد سعيد، فقد حضرت في الأدب اللاتيني والرواية خصوصا إزاء مثقفي هذه الجماعات كما عند فوينتس وغيره.

مما سبق ، في السلفادور وغواتيمالا، هو اليوم ماثل في الوقائع قبل الأذهان وفي الحديقة الشرقية مع فوارق لا تذكر لزوم الأيام والأزمنة:

البلطات وقطع الرؤوس وجدع الأنوف وصلم الآذان واستعادة الشرق على هذه الصورة، كما صوره الاستشراق الأبيض الأشد قبحا.

ومن ثم طبعة جديدة ومزيدة من ايديولوجيا الكراهية في ثوب جديد ومحاكم تفتيش جديدة، عنوانها الموت الزؤام لكل من خالف ويخالف الفرقة الناجية الوحيدة من ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة نبتت في السلفادور قبل أن تزهر، أيما ازدهار على ضفاف المتوسط والرافدين.

ويكتمل السيناريو رباعي الدفع بعنصريه الثالث والرابع بأشكال وتعبيرات شتى، من ظلال الفكتورية الجديدة وجماعات الانجؤز في ساحات وميادين ربيع صادر كل الفصول والحدائق باسم التنوع وحق الاختلاف، وأدار ظهرها إلى حائط الفراغ بانتظار مونرو وايزنهاور.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث