“المأصوفة بيلبـَأ لها..”

“المأصوفة بيلبـَأ لها..”

نظير مجلي

الترجمة باللغة العربية الفصحى لهذا العنوان هي: “المقصوفة، يلبق لها أو يليق بها”. وهو مأخوذ من نكتة تتردد لدينا، نحن الفلسطينيين وربما لدى عرب آخرين، وتحكي عن شيخ عين إمامًا لمسجد في بلدة بعيدة عن مكان سكناه، واشتهر بخطب الجمعة الملتهبة التي كان يلقيها في المسجد. وقد لوحظ ان الشيخ يكثر من الحديث عن مواضيع العلاقات الرجالية – النسائية.

ومن آن لآخر يردد التعليمات حول الاحتشام في الملابس. فيحذر النسوة من نزع الحجاب ويتحدث بالتفصيل عن طول الفستان أو الجلباب ويهاجم التبرج والملابس الضيقة.

وذات يوم، أتيح لأحد المصلين أن يزور القرية التي يسكن فيها هذا الإمام. فجلس في مقهى، وإذ راح يرتشف القهوة، مر الإمامُ في الشارع وبرفقته سيدة في مقتبل العمر ترتدي لباسا مدنيا بالكامل، لا حجاب ولا احتشام. فاستغرب لكنه لم يتفوه بشيء. وانتظر حتى التقى الإمام ذات يوم في المسجد، فتقدم منه بعد الصلاة متطفلا: “شاهدتك يا سيدي الشيخ وأنت تسير مع امرأة شابة..””. وقبل أن يكمل قال له الشيخ: “ويحك، إنها زوجتي، على سنة الله ورسوله”. فأجابه باستهجان: “زوجتك، لكن رداءها لا يستوي مع التعاليم التي تزودنا بها يا شيخ”. فأجاب: “المأصوفة بيلبأ لها”.

تذكرت هذه النكتة لدى متابعة ما نشرته الصحف اللبنانية، هذا الأسبوع، ضد القناة الفضائية “أل. بي. سي”، لأنها بثت تقريرا صحفيا عن التهديدات المباشرة التي وجهها قائد في سلاح الجو الاسرائيلي بتنفيذ عدوان جديد على لبنان وعلى سوريا. وكانت حجة الهجوم على هذه القناة أن “اسرائيل استخدمتها لنقل التهديد إلى لبنان” وأنها “قابلت الضابط المُهدِد في قاعدة سلاح الجو الاسرائيلي” وقابلت الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي الذي لم يصف جيشه بأنه جيش احتلال وأسماه باسمه الاسرائيلي “جيش الدفاع الاسرائيلي”.

وتنافست القنوات والصحف التي تقف في صف سياسي – حزبي مناصر لسورية وحزب الله، في مهاجمة “أل. بي. سي”، متهمينها بخرق القانون اللبناني. فاضطرت القناة إلى الاعتذار بسبب سوء تقديرها لهذا النشر، لكنها أكدت على ان ذلك لا يعني انها غيرت موقفها الوطني من مقاطعة اسرائيل. ورفضت النوايا الخبيثة من وراء الهجوم، مؤكدة الحقيقة المعروفة ان مراسلتها آمال شحادة ليس فقط صحفية لامعة بل هي ايضا ناشطة سياسية معروفة ضد السياسة الاسرائيلية الرسمية.

الأمر الذي لم ينتبه اليه هؤلاء، أن هذه الحملة لم تثر بعد بث التقرير في “أل. بي. سي” مباشرة، بل اعتمدت على نشر خبر في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الاسرائيلية حول الموضوع. فالصحيفة الاسرائيلية هي التي قالت ان الجيش الاسرائيلي استخدم القناة اللبنانية لنقل الرسالة. لم يفحصوا أهداف الصحيفة الاسرائيلية من هذا النشر. ولم يحققوا إن كان الجيش الاسرائيلي استخدم فعلا هذه القناة أم لا، علما بأن هذا الجيش دعا ممثلي كل وسائل الاعلام الاسرائيلية والعربية والأجنبية إلى تغطية الحدث وهو اجراء تدريبات لسلاح الجو الاسرائيلي على حرب عدوانية قادمة ضد لبنان وسورية. قسم منهم لبى الدعوة وقسم لم يلبها. وبثت قناة “العربية” وغيرها من القنوات والمواقع تقريرا مشابها، بما فيه القنوات الاسرائيلية والأجنبية، لكن “يديعوت أحرونوت” لم تنتبه لذلك. ولما كان الصحيفة الاسرائيلية هي المصدر الوحيد لهؤلاء المهاجمين، فعلوا مثلها ولم ينتبهوا هم أيضا لهذه الحقيقة.

والسؤال الأول لهم، لماذا سمحوا لأنفسهم باعتماد مصدر اسرائيلي وحيد، في هجومهم هذا؟ ألم يكونوا مثل زوجة الشيخ “المأصوفة بيلبألها”. أم ان التنافس الصحفي والعداء السياسي يبيح كل شيء؟

والسؤال الثاني: إلى متى نظل نستخف بعقول العرب، مشاهدين او مستمعين أو قراء؟ فالأمر الجوهري هنا هو ان اسرائيل تهدد بعدوان على بلد عربي، على بلدكم. والقناة المذكورة قدمت لكم التهديد بصوت وصورة، مثلما فعلت كل القنوات العربية الأخرى، حيث ان المقابلات تمت ووزعها الناطق بلسان الجيش وتناولتها كل الوكالات بما فيها الوكالة الفلسطينية “ميدميديا” التي زودت “أل. بي. سي” بها، حتى تصدقوا. فهذا هو العمل المهني للصحفي. وبالمناسبة، اسرائيل ليست بحاجة إلى الصحفيين العرب لكي توجه تهديداتها، فيكفيها ان تنشره في وسائل الاعلام الاسرائيلية، التي يتابعها العرب بمثابرة، والدليل هم اصحاب تلك الهجمة. فغذاؤهم الأول والأخير في هذه المعركة كانت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، كما اشاروا بأنفسهم. والقنوات الفضائية العربية، بما فيها قناة حزب الله “المنار”، نشرت عن التهديد من خلال اظهار الضابط الاسرائيلي يهدد بالصوت والصورة. وأكثر من ذلك، “أل. بي. سي.” و””إرم”، كانتا الوحيدتين من بين كل وسائل الاعلام العربية والعالمية، اللتين لم تقبضا هذا التهديد كما هو، وأضافتا أن من المحتمل أن تكون هذه محاولة من اسرائيل للحضور في مؤتمر جنيف حول سورية. فاسرائيل تطالب بحصة خاصة بها، عندما يتم تقسيم الكعكة السورية. وغيابها عن المؤتمر قوبل بامتعاض فقررت الحضور بواسطة التهديد الحربي. لكن المهاجمين لا يكترثون لذلك، المهم عندهم الحرب الداخلية بينهم. التنافس والمصالح الحزبية والتجارية.

والسؤال الثالث: وسائل الاعلام الجدية في العالم العربي، تعتمد لها مراسل أو مراسلة في اسرائيل، من المواطنين العرب في اسرائيل، أي فلسطينيي 48. فهم أكثر العرب معرفة باسرائيل واللغة العبرية والثقافة والعادات وخبايا السياسة، وهم في الوقت نفسه عرب معتزون بانتمائهم العربي والفلسطيني. وبالنسبة لهم، قاعدة سلاح الجو الاسرائيلي ليست منطقة محرمة بل هي ارض عربية فلسطينية مصادرة بالقوة، والسلطة الاسرائيلية هي التي تحرمهم عادة من دخولها. لكنها فتحت أبوابها في السنوات الأخيرة أمام وسائل الاعلام العربية، ضمن سياسة اعلامية جديدة للجيش. وكانت “الجزيرة” أول من استجاب للدعوة وتلتها وسائل اعلام اخرى.

إن هذه القضية، تثير من جديد التساؤلات حول سياسات “العجقة الاعلامية” و”الهوج السياسي”، السائدة في كثير من وسائل الاعلام. ما زالوا يحسبون ان المتلقي العربي لا يفكر. يهوجونه فيهوج. يسكتونه فيسكت. هذا ليس فقط غير مهني، بل إنه يمس أيضا في الانسان العربي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث