قطار جنيف إلى أين ؟

قطار جنيف إلى أين ؟

تاج الدين عبد الحق

إذا صحت الاعتراضات الشكلية ، على الترتيبات الخاصة بمؤتمر جنيف 2 ، والتي كانت تتوالى حتى إلى ما قبل يومين من انعقاده، وإذا كانت الدعوات للمشاركة في المؤتمر لم يحسم أمرها، إلا بشق النفس ،وبعد ممارسة ضغوط هنا واتصالات هناك ، فلنا أن نتصور ماذا ينتظر المؤتمر ، وماهي حظوظه في إيجاد تسوية لمشكلة تجاوزت في تعقيداتها وتداعياتها كل ما عرفته المنطقة من مشاكل ومعضلات .

فالواضح للجميع أن عقد المؤتمر لن يكون بداية الحل، ولن يكون أكثر من تقطيع وقت، لأن ما عجز السوريون عن حسمه في ميادين القتال ، لن يحسموه في ميادين السياسة ، خاصة وأن الأطراف السورية المعنية مباشرة بالأزمة ، تأتي للمؤتمر مكرهة ، أومتحفزة سلفا للرفض ، لا تمسكا بمواقفها السياسية المعلنة ، بل تحسبا لما تعكسه أية حلول مفروضة على مكانتها على الأرض .

الخيارات المطروحة على الطرفين السوريين المشاركين في المؤتمر ،أي وفد النظام ووفد الائتلاف ، خيارات صعبة ، بل مستحيلة . فوفد النظام لا يريد ، وقد لا يستطيع التسليم بمطلب المعارضة الأساسي، الذي يستبق خروج بشار الأسد من المعادلة قبل أي شيء آخر ، فهذا الخروج بالنسبة لوفد النظام ، ليس خروجا لبشار الأسد كشخص ، بل يعني خروج المنظومة الرسمية بكاملها من المشهد ، بما في ذلك رموزها السياسية والأمنية والعسكرية ، وهي منظومة طويلة تطال الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف من القيادات السياسية والعسكرية والطائفية . والخروج أيضا ، كان يمكن أن يكون ممكنا لو لم تصل المواجهة بين النظام، والمعارضة إلى طريق اللاعودة ، أو لو بقيت أمامه فرصة للعمل السياسي في الداخل ، أو ملجأ آمن له في الخارج .

أما وفد المعارضة، فهو يأتي بعد تمنع وتردد، لا خوفا من المشاركة بل عجزا عنها، فالمعارضة لم تتفق على مبدأ المشاركة إلا عبر تسويات وترضيات ووعود ، وتنازعتها في هذا المجال اجتهادات مختلفة قبل أن تقرر في اللحظة الأخيرة وبشق النفس وبعد ضغوط مرئية وغير مرئية ، مشاركة متأرجحة بين قبول بنكهة الرفض، ورفض بنكهة القبول .

والمشاركة المتأرجحة، ليست لرغبة الائتلاف بالمناورة، أو انعكاسا لمواقف سياسية مسبقة ، أو استثمارا لتغير ميداني ، بل هي خوف من تداعيات أي موقف يتخذه ، وتأثير أية خطوة يخطوها على وحدته الهشة أولا ، وعلى قدرته، ثانيا ، في تسويق أي اتفاق بين فصائل المعارضة الأخرى التي ظلت إما خارج الائتلاف، أوخارج المؤتمر.

وفي غيبة قدرة الحسم، أو قدرة الرفض والقبول، لدى الطرفين السوريين المشاركين في المؤتمر ، فإن الجميع يعول على تدخل الأطراف الدولية ، والإقليمية الأخرى، التي هيأت الأجواء لعقد المؤتمر، أو تلك المؤثرة في مساره وتوجيه نتائجه . وحتى الآن لا يبدو أن هذه الأطراف متفقة على الحد الأدنى بشأن الوضع السوري ، وهي تربط مثل هذا الاتفاق بقضايا أخرى ،وبمصالح وأولويات قد لا يكون الشأن السوري أبرزها .

الذي ينتظر من جنيف 2 أن يقدم الوصفة السحرية لمعالجة الأزمة السورية ، قد ينتظر طويلا ، فهذه الوصفة يجري تحضيرها خارج المؤتمر، وبمعطيات تختلف عن المعطيات المباشرة التي تحكم مسار المؤتمر ووفق أجندة غير أجندته .فإذا جاءت الأطراف الدولية والإقليمية وهي متفقة على قواسم مشتركة حول مصالحها وأولوياتها ، فإن الجزء السوري سيكون الحلقة الأضعف التي يمكن النفاذ منها إلى الحل .أما إذا جاءت هذه الأطراف إبراء للذمة ، وتحت الضغط السياسي والأخلاقي الذي نتج عن معاناة السوريين وعذاباتهم ، فإن المؤتمر سيكون حلقة أخرى من حلقات الفشل وضياع الوقت .

العقدة ليست في السوريين، فهم ليسوا أكثر من كورس لمعزوفة لم يشاركوا في وضعها وتلحينها وإن بدوا أبطالا لها . فالنظام السوري بالرغم مما يتلقاه من دعم حلفائه الدوليين والاقليميين ، ليس أكثر من شماعة يتمسك بها الحلفاء لتحقيق مصالحهم ، فإذا ما تحققت تلك المصالح بدون وجود هذه الشماعة، فإنهم لن يكونوا آسفين على غيابها ولن يترددوا عند الضرورة بالتضحية بها . وكذلك الحال بالنسبة للمعارضة ، فهي في جانب كبير منها ليست أكثر من مخلب قط لتنفيذ أجندات وأدوار ليست إشاعة الديمقراطية وضمان حقوق الانسان من بينها ، أو على الأقل ليست من بين أهم أولوياتها. وفي اللحظة التي ينتهي فيها هذا الدور سيجدون أنفسهم في الضفة الأخرى حيث الاتهام بالإرهاب هي التهمة الجاهزة التي تجعلهم في مواجهة الجميع .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث