البقجة*

البقجة*

عرار الشرع

مرة أخرى أدخل إلى بيت ابو نافز في مخيم اليرموك بدمشق لاستمع إلى حوار آخر الليل مع “ختيارته”…

قالت أم نافز متنهدة… ويلي من القادم فالناس حولنا يموتون جوعاً…

لم تنتظر رد أبو نافز الذي غالبه النعاس، فأردفت.. يا سبحان الله علينا… “انطخينا وانطعنا وأنسحلنا وانحرقنا… بس آخرتها نموت جوع، والله كثير” أنا لا أرى سوى أن نغادر… حالنا حال الآخرين ممن “هجّوا”..

رمقها أبو نافز بعين لوم وقال، إلى أين؟ “لبنان خربان والأردن مسكر حدوده، على الشام اللي هي جنبنا ما فينا نروح”.

أجابت أم نافز بثقة… محمود ابن الجيران في الشعبية، ومن الممكن أن يخرجنا، ما عليك سوى أن “تبحبح إيدك”، فسارع زوجها لإظهار جيوبه الخاوية لها قائلاً إن محمود الذي تستعينين به فقد أمه وأخته وزوج أخته فهل سينظر لنا؟

احتدت أم نافز وقالت… الموت بالرصاص ولا الموت جوع سأقوم لأحضر “البقجة”…

ضحك أبو نافز، ما زاد في حدتها، وقال.. فات الأوان وحالنا أفضل من غيرنا… على الأقل لدينا طعام.

صرخت أم نافز بأعلى صوتها… فليذهب الطعام إلى الجحيم ما دام الناس حولنا جياعا.

حملت “بقجتها” وما أن فتحت باب البيت حتى مرت بجانبها رصاصة لم تزدها إلا إصراراً… ويبدو أنها أزالت ما بقي من شك في صدر زوجها، فأمسك بيدها وخرجا وكأنهما ماضيان في نزهة…

ابتعدا حتى ابتلعهما الظلام… ظلام لم تستطع إضاءته نيران القناصة أو قذائف المدافع…

============

*البقجة للفلسطيني هي حقيبة السفر التي تتكون من خرقة كبيرة يطويها على هيئة مثلث يضع فيها أغراضه قبل ربطها، وبلهجات أخرى تسمى الصرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث