مصر تشق طريقها إلى الاستقرار

مصر تشق طريقها إلى الاستقرار

عدلي صادق

على الرغم من أن السلطة الانتقالية وصفت ما حدث يوم 3/7/2014 بأنه عملية انقاذ للدولة وللمجتمع، وأعلنت عن خارطة طريق سياسية ذات فحوى ديموقراطي وليست من تقاليد الانقلابيين. وها هو الاستفتاء على الدستور الذي صاغته لجنة موسعة ضمت ممثلين عن كافة أطياف المجتمع وحساسياته، ينتهي بموافقة شعبية كاسحةلم يحظ بنصفها الاستفتاء على السابق في فترة حكم مرسي. لكن لجماعة “الإخوان” لغتهم كلما خسروا، أو حتى توقعوا أو اشتموا رائحة الخسارة. ففي لغتهم ستكون الإرادة الشعبية مزورة. أما نتائج الصندوق عندما لا يُقبل عليه سوى 25% من أصحاب حق الاقتراع، ويفوز الدستور الذي يؤيدونه بما يزيد قليلاً عن الـ 50% فإن هذه النتيجة هي الإرادة الشعبية عندهم في غيال 75% من اصحاب حق الاقتراع، ومع رفض نحو 30% ممن صوتوا.

الآن نبارك لاخوتنا المصريين دستورهم المعَمّد بإرادتهم الشعبية. إنه خطوة على طريق استعادة الاستقرار، وهيبة الدولة ودورها، وهو وثيقة العقد الاجتماعي، التي تحمي الناس وتحفظ لهم خصوصيتهم وحقوقهم في الحرية وفي المواطنة المتساوية. فالدستور الذي أقبل عليه المصريون بكثافة، يمثل منظومة القواعد التي تحدد شكل الدولة، وشكل الحكومة وتنظم السلطات العامة، وتحدد اختصاصاتها على النحو الذي يضمن الفصل بينها. ثم أن الدستور ـ أولاً وقبل كل شيء ـ يضع الفارق البيّن، بين الدولة والحكومة، لكي يعرف الطامحون إلى الوصاية على الأوطان وعلى إيمان المؤمنين، أن التداول الديموقراطي على السلطة، لا يكون إلا في إطار الدولة المحايدة التي تهتدي بدستور مدني وعصري ومتطور، وأن الفوز في دورة انتخابية، لا يجعل الفائز صاحب أدنى حق في أخذ الدولة وكل المجتمع إلى فُسطاته!

جماعة “الإخوان” خسرت الرهان، ولم يكن المراقبون يشكون في ذلك، لأن “الجماعة” أضاعت فرصتها بسبب قراءتها الرديئة للواقع، منذ أن تعاملت برعونة وغباء مع إطاحة مرسي من الرئاسة، بتفويض شعبي لا يخطئة إلا مكابر. وفي الحقيقة لم يخسر “الإخوان” فرصتهم وحسب، وإنما خسروا عدداً من الفرص على كل صعيد، حتى باتت على عيونهم غمامة، فلا يرون المستقبل إلا من خلال شاشة “الجزيرة” ذات الصور المهزوزة وغرفة تحرير الأخبار الكذوبة. وكانت حماقة قادة “الإخوان” ورعونتهم مستغربة بالنسبة لمن يعرف تاريخهم الذي اتسم بالدهاء والتحايل، وبالمسايرة مع الانحناء كلما هبت الرياح، والجموح والبذاءة كلما صفا لهم المناخ. لم يستغرب أحد شطط مجموعات نخبوية، سواء من تلك الحزبية الناشئة حديثاً، أو “الثورية” الرومانسية المنبثقة عن “ثورة يناير”، ذلك لأن هذه المجموعات لا خبرة لها، وإن كان لديها الكثير من نبل المقاصد، لكنها لم تأخذ في الحسبان المخاطر الاجتماعية. الاقتصادية لتردي الأوضاع في فترة حكم “الإخوان”، وضرورة تدخل الجيش، التي أملتها كل التداعيات والتطورات التي عصفت بالاستقرار في البلاد.

معلوم أن “الإخوان” لم يألفوا التسليم بالحقائق ولا الاعتراف بالأخطاء. بالتالي هم لن يعترفوا بأن إقبالاً شعبياً على صناديق الاستفتاء على الدستور قد حدث في مصر. ولن يعترفوا بالأرقام التي تتمخص عنها الصناديق. هذا إن لم يكونوا غير مستعدين للاعتراف بأن المواطنين الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع، هم من البشر الطبيعيين ومن ذوي الحقوق الدستورية. فعلى امتداد سنوات الحلم القومي وأيام ريادة مصر عربياً وإفريقياً وإسلامياً، لم ير “الإخوان” في الملايين الحاشدة، التي أحبت جمال عبد الناصر، سوى بشر مكرهين كانت أجهزة الأمن تنقلهم في شاحنات لكي يؤدون التحية للزعيم العربي. وكلما حدثت واقعة، كان لهم فيها قول آخر وتوصيف مجاور، علما بأنهم لم يعرفوا في تاريخهم سوى الدسائس الأسرار والباطن المغاير للظاهر، والتحالف مع أصحاب أردأ السياسات وأوثقها تحالفاً مع الاستعمار!

أنكروا حقيقة “30 يونيو” كحدث مشهود، تدفقت فيه الملايين، تلقائياً لكي تعلن رفضها لحكم “الإخوان” ولرئاسة مرسي. وسرعان ما جرى الحديث عن “حكم عسكري” وكأن هناك حكومة تشكلت من ضباط أدت اليمين الدستورية أمام شاويش نفذ انقلاباً ونصّب نفسه رئيساً، مثلما فعل “صموئيل دو” في ليبيريا في الثمانينيات. وكلما كان “الإخوان” يوغلون في البذاءة، كانت الناس تنفض عنهم أكثر فأكثر. وليت الأمر قد توقف عند حدود البذاءة. فقد وقعت الطامة الكبري، وهي التحريض على العنف وممارستة، والتحالف الضمني مع الإرهاب الإسلاموي، الذي هو أقبح ما أفرزته الرزايا في العالم العربي، وأبعد الظواهر الطفيلية عن الحرية وعن كرامة الإنسان. لقد أوصل قادة الجماعة تنظيمهم إلى الحضيض على كل الصعد، وخسروا تماما ونهائياً!

في الأسابيع الأخيرة، كان الناس يتمنون تكراراً لـ “30 يونيو” لكي يقتنع العالم أن “الإخوان” مرفوضون، وأن موقف الشعب المصري منهم لا رجعة عنة. ولعل الإقبال على الاستفتاء والتصويت إيجاباً لصالح الدستور، يحقق أمنية التكرار. لقد عاد المصريون بعشرات الملايين، لكي يسجلوا موقفهم، ولكي يرسخوا الحقيقة التي لم تستطع “الجماعة” دحضها!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث