الرحمة لأحمد سعيد

الرحمة لأحمد سعيد

تاج الدين عبد الحق

أترحم على أحمد سعيد، إن كان قد انتقل إلى جوار ربه وأدعو له بالصحة والعافية إن كان لا يزال حيا يرزق، وفي كل الأحوال أرجو الله ألا يحشره يوم القيامة، مع أبطال برامج “توك شو” هذه الأيام، إذ أنه سيكون بينهم، أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام.

ولإنعاش ذاكرة من نسي من هو أحمد سعيد، ولتعريف أولئك الذين لا يعرفونه، أولم يسمعوا باسمه من قبل، نقول إن أحمد سعيد كان نجما إذاعيا في محطة صوت العرب المصرية، “التي كانت جزيرة تلك الأيام أو عربيتها” اختر ما شئت. وقد حمل لفرط تأثيره في الرأي العام المصري والعربي جانبا من مسؤولية هزيمة العرب في حزيران 1967. ويمكن التأكد من ذلك بالرجوع إلى المقالات والتعليقات التي صدرت بعد تلك الهزيمة أو فيما تلاها من مراحل تاريخية، سجلت فيها تعليقات عكست نوعا من تصفية الحسابات، بين الخصوم السياسيين. وقد أخذ عليه حينها تهوينه من قدرة وقوة إسرائيل، ومبالغته في تقدير قوة الجانب العربي. ولأنه كان الحلقة الأضعف في قائمة طويلة ممن تحملوا وزر تلك الهزيمة، وتبعاتها، فقد دفع الرجل ثمنها بصمت، وغاب عن المشهد الإعلامي دهرا طويلا، قبل أن يغيب صوته ليصبح ذكرى من ذكريات هزيمة لا زلنا نتجرع كأسها إلى اليوم.

وقد وصف أحمد سعيد، في تلك الفترة، وما بعدها، بأنه كان متطرفا في عدائه للخصوم، لا يتورع عن وصفهم بأقذع الأوصاف وبكلمات يعف اللسان عن ترديدها، وإعادة كتابتها، ولو على سبيل التوضيح. كما أنه كان متطرفا في تأييده “لولي نعمته” وكان بارعا في إطلاق الأوصاف التي تسبغ عليه أوصافا قد تصل به إلى مراتب الألوهية. وكان فوق ذلك كله صاحب صوت جهوري، يصل حد الزعيق، وكان يتدفق في الكلام بحيث لا يستطيع المستمع أن يتبين الفكرة إلا بشق النفس، وكان معظم الناس يأخذون ما يقول على أنه مدح أو شتيمة، فيقع المدح في نفس المؤيد وقعا حسنا فيما يكون تأثيره معاكسا على المعارض وذلك الحال بالنسبة للشتيمة.

والخلاصة تغييب الوعي بركام من الكلام الذي لايحمل فكرة ولا يقدم أية معلومة، ولا يقود إلى أي مكان، وأقصى ما ينتج عنه تغييب الوعي وكأن كلامه نوع من المخدر الذي يستطيبه المحبون ويستلذ لسماعه المادحون، أو االشامتون.

اليوم نعود إلى أحمد سعيد، لا باعتباره جزءا من مرحلة سياسية، بل باعتباره نمطا إعلاميا، لنقارنه بالأنماط الإعلامية التي تعبىء فضائياتنا وتسيطر على شاشاتنا، وتتحفنا بكلام في كلام في كلام، دون أن نتبين “طريق الرشد، أو ضحى الغد”، على حد قول الشاعر. وعلى خلاف إعلاميي اليوم الذين ينتقلون بين الفضائيات ويبدلون الميكروفونات كما يبدلون أحذيتهم، فإن المرحوم أحمد سعيد لم يبدل موقعه ولم يغير جلده ولم يتلون بتلون الزمان، بالرغم من أن الفرصة كانت موجودة أمامه والمجال واسع له، على الأقل لدى بعض الأنظمة التي اعتبرت نفسها امتدادا، لنظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي عمل أحمد سعيد في ظله، وكان تعبيرا من تعبيراته الإعلامية.

أحمد سعيد الذي حملناه وزر مرحلة كاملة، يعود اليوم بصور عديدة وأصوات لاتختلف في فجور عدائها، وفجور تأييدها عن مرحلة أحمد سعيد، إن لم تكن في كثير من الأحيان أعتى ضراوة، وأكثر شراسة. والأدهى من ذلك أن بعض الأنماط الجديدة من الإعلاميين ليس لها معايير سياسية أو أخلاقية واضحة، وهي في أغلبها نسخ كربونية تكرر بعضها البعض، سواء من حيث الأداء المعتمد على الزعيق والصوت العالي، أو من حيث المحتوى الذي لا يقدم ولا يؤخر، ويقوم على عداء غير منضبط، وفاجر، لكل من يخالفونها الرأي، أو يضيقون ذرعا بفجورها وسبابها.

قدرنا ونحن نشهد مرحلة تحول في تاريخنا السياسي أن نكون أمام مشهد إعلامي بالغ السوء، وعزاؤنا الوحيد الإيمان بأن ما ينفع الناس سيمكث في الأرض وأن الزبد مهما علا إلى زوال.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث